فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 209

أرجى في تحقيق هذه المصلحة- جاز لولي الأمر العدول عن الأصل -التقسيم- إلى عدم التقسيم، تقديمًا لمصلحة الدين على مصلحة الغانمين، حيث أن مقصود الجهاد هو حفظ الدين وليس مقصوده الغنيمة، فلا تكون الغنيمة عائقًا يحول دون ذلك. وقد رأيت كيف علَّل العلماء القائلون بالتقسيم -كابن تيمية وابن القيم- .. كيف عللوا عدم التقسيم في بعض الحالات بمصلحة الإسلام والمسلمين.

ولا شك أن صورة مصلحة الدين في واقع -جهاد الدفع- أوضح وأجلى وأولى من حالة تأليف القلوب التي ذكرها العلماء في تعليل عدم التقسيم يوم حنين.

ولا تصح دعوى الإجماع على وجوب تقسيم الغنيمة، وقد رأيت فيما سبق من الأقوال ما يدل على ذلك.

ولا يخفى أن ما تكلمنا عنه حتى الآن إنما هو بالنسبة لنوع الجهاد الذي كان العلماء يتحدثون عنه، أي جهاد الفتح والطلب لا جهاد الدفع، وسنبين الفرق في حينه.

وكذلك لم نتكلم عن حالة (ديوان الجند .. والارتزاق) وهل يأخذ الجنود المرتزِقة [1] من الغنيمة على قاعدة أربعة الأخماس أم لا؟

ويجب أن لا ننسى خلاف العلماء في مسألة توقيت انتقال الغنيمة -متى تنتقل؟ - إلى ملكية الغانمين: حيث يرى بعضهم أن الملكية تزول من أصحابها وتنتقل للفاتحين بمجرد الاستيلاء، ومنهم من يقول: بعد القسمة، ومنهم من يقول بعد الحيازة في دار الإسلام، وليس هذا موضع تحقيقها.

وكذلك علينا أن لا ننسى الحالة العامة التي كان عليها المسلمون الأوائل حيث كانت الأمة تستجيب لداعي الجهاد إذا نادى: (يا خيل الله اركبي) في حالة جهاد الفتح .. فرض الكفاية، لا جهاد الدفع .. فرض العين؛ فكانت الحالة العامة في الأمة أن يأتي الرجل بفرسِه ومركوبِه -ومعه مؤونته وعلفُه- وزادِه (طعامُه وشرابُه) وسلاحِه وكراعه (من سيف ورمح ونبل ودرع ومخفر و .. و .. ) إلى غير ذلك، ولم تكن معظم التكاليف والمؤونة على بيت المال، بل على المجاهدين أنفسهم. وعندها كانوا يأخذون نصيب (الأربعة

(1) أي: الموظفون في ديوان الجند للارتزاق من الجهاد، وليس معنى المرتزقة هو المعنى المذموم السائد حاليًا. قال أيو يحيى الليبي رحمه الله:"في زمن شيخ الإسلام كان هناك ديوان المقاتِلة والمتطوعة وكذلك يسمونهم المرتزِقة، وليس المعنى المذموم عندنا، وإنما هم الذين لهم رزق من بيت المال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت