وقال ابن حجر في فتح الباري في كتاب (فرض الخمس) ما نصه: وذكر ابن حزم: أن بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة: «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا» الحديث، على أن الأرض المغنومة لا تباع، ولا تقسم، وأن المراد بالمنع: منع الخراج، ورده بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة، وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع.
واحتجوا أيضًا بما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ...
[وأورد لهم احتجاجات أخرى ثم قال:] هذه الأدلة التي استدل بها المالكية لا تنهض فيما يظهر؛ لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها؛ لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيرًا، فاختار إبقاءها للمسلمين، ولم يكن واجبًا في أول الأمر، كما قدمنا.
والاستدلال بآية الحشر المذكورة واضح السقوط؛ لأنها في الفيء، والكلام في الغنيمة، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا.
قال مقيده عفا الله عنه: أظهر الأقوال دليلًا أن الإمام مخير، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفًا، وبه تنتظم الأدلة، ولم يكن بينها تعارض، والجمع واجب متى ما أمكن.
وغاية ما في الباب: أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... } الآية، وتخصيص الكتاب بالسنة كثير.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ذكر القول بالتخيير، ما نصه: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: وكأن هذا جمع بين الدليلين، ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعًا، ولذلك قال: لولا آخر الناس ... ، فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بتخصيصه بهم" [1] ."
(1) أضواء البيان (2/ 66 - 70) .