المذهب الثالث:"الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها شرط إحرازها بدارهم، وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبَاعٍ» ؛ ولأن العصمة تزول بالإحراز بدار الحرب، إذ المالك لا يمكنه الانتفاع به إلا بعد الدخول لما فيه من مخاطرة، إذ الدار دارهم، فإذا زال معنى الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورة، فباسترداد المسلمين لذلك يكون غنيمة" [1] .
قال في المغني:"مسألة: قال: (وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم، فأدركه صاحبه قبل قسمه، فهو أحق به) ."
وإن أدركه مقسومًا، فهو أحق به بالثمن الذي ابتاعه من المغنم، في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى: إذا قسم، فلا حق له فيه بحال، يعني إذا أخذ الكفار أموال المسلمين، ثم قهرهم المسلمون، فأخذوها منهم، فإن علم صاحبها قبل قسمها، ردت إليه بغير شيء، في قول عامة أهل العلم؛ منهم عمر رضي الله عنه وعطاء، والنخعي، وسلمان بن ربيعة، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال الزهري: لا يرد إليه، وهو للجيش. ونحوه عن عمرو بن دينار؛ لأن الكفار ملكوه باستيلائهم، فصار غنيمة، كسائر أموالهم.
ولنا، ما روى ابن عمر، أن غلامًا له أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر، ولم يقسم. وعنه، قال: ذهب فرس له، فأخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، رواهما أبو داود ...
فأما ما أدركه بعد أن قسم، ففيه روايتان؛ إحداهما، أن صاحبه أحق به، بالثمن الذي حسب به على من أخذه، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه، فهو أحق به بالثمن. وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، ومالك؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلًا وجد بعيرًا له كان المشركون أصابوه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنْ أَصَبْته قَبْلَ أَنْ نَقْسِمَهُ، فَهُوَ لَك، وَإِنْ أَصَبْته بَعْدَمَا قُسِمَ، أَخَذْته بِالْقِيمَةِ» [2] ...
(1) نفس المصدر.
(2) قال البيهقي: هذا الحديث يعرف بالحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة، والحسن بن عمارة متروك لا يحتج به ورواه أيضًا مسلمة بن علي الخشني عن عبد الملك وهو أيضًا ضعيف، وروي بإسناد آخر مجهول عن عبد الملك، ولا يصح شيء من ذلك، وروي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وياسين بن معاذ الزيات عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا على اختلافٍ بينهما في لفظه، وإسحاق وياسين متروكان لا يحتج بهما اهـ. وقال في الصغرى: الحسن متروك، والذين تابعوه على ذلك ضعفاء.