فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 209

بالإجماع من أجل استرداد ما استولى عليه العدو عنوةً، والله تعالى يقول: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ} [1] .

وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على وجوب دفع العدوان قبل وقوعه بالجهاد بالأنفس والأموال، وعلى وجوب إزالته بعد الوقوع، ولم يعهد أنه سبيل إلى تملك الأعداء ديار المسلمين وأموالهم، قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .

وإذا حرم الإسلام على أهله الاعتداء فأحرى أن يحرم عدوان غيرهم عليهم ولا يجعله سبيلًا لامتلاك أموالهم وديارهم، وقال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} ، لا يقال إن الآية تدل على أن الله لم يجعل للأعداء سبيلًا على نفوس المسلمين دون أموالهم لأنا نقول: إن كلمة (سبيلًا) نكرة في سياق النفي فتعم كل سبيلٍ، سواء كان واقعًا على نفوسهم أو أموالهم أو ديارهم.

[إلى أن قال:] ووصفهم بكونهم فقراء مجازًا لا يشعر بزوال ملكيتهم عن ديارهم وأموالهم بل يفيد ثبوتها لهم بقرينة إضافتها إليهم" [2] ."

قال المرداوي الحنبلي:"تنبيه: هذه الأحكام كلها على القول بأن الكفار يملكون أموالنا بالقهر، وأما على القول بأنهم لا يملكونها: فلا يُقسم بحال. وتُوقَف إذا جُهِل ربها. ولربه أخذه بغير شيء، حيث وجده، ولو بعد القسمة، أو الشراء منهم، أو إسلام آخذه وهو معه. هذا الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به في المحَرَّر، والرِّعايَتَين، والحاوِيَين، وغيرهم. وقدمه في الفروع ..." [3] ، ثم فصّل المرداوي في المسألة طويلًا وأورد قول المتن:"ويملك الكفار أموال المسلمين بالقهر، ذكره القاضي"ثم اعترض عليه.

(1) قال الدريني في الهامش: نظير هذا في عصرنا الحاضر استيلاء إسرائيل على الأراضي العربية عدوانًا وظلمًا بعد إخراج أهلها منها. هذا .. والاستيلاء والإحراز عُهِد طريقًا مكسِبًا للملكية الفردية في المباحات، وذلك تشجيعًا للجهد الإنساني الفردي للانتفاع بما وجد في الطبيعة من خيرات واستثمارها، وذلك معقول، لأن من بذل جهدًا فاجتنى مما وجد في الطبيعة من خير مباح لا مالك له، كان أولى من غيره بامتلاكه ممن لم يبذل أدنى مشقة في هذا السبيل، وهذا أمرٌ وراء استلاب الحقوق والثروات واغتصاب الديار والأوطان بعد تشريد أهلها منها بقوة السلاح. اهـ وما قاله الدريني عن إسرائيل ينطبق على بقية حكام بلاد المسلمين اليوم حيث أنهم مرتدون وأولئك أصليون، بل قد أفتى شيخ الإسلام بأن النصيرية -حكام بلاد الشام- أكفر من اليهود والنصارى.

(2) المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي (ص 229 - 234) .

(3) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (4/ 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت