أما على الرأي الثاني: فإن هؤلاء المهاجرين المضطهدين، لم تزُل ملكيتهم عن أموالهم وديارهم على الرغم من إخراجهم منها وبُعدهم عنها، بدليل إضافة هذه الأموال والديار إليهم بقوله تعالى: {أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} ، فذلك قرينةٌ على أن وصفهم بكونهم فقراء ليس على سبيل الحقيقة.
وينتج عن ذلك، أن الكفار أو الأعداء -في اجتهاد الشافعية- لا يملكون أموال المسلمين وديارهم قهرًا وبقوة السلاح، ولو أحرزوها بالاستيلاء عليها واحتلالها، وهذا الاجتهاد هو الصحيح وقد أيدته السنة أيضًا [1] .
ولخطورة هذه المسألة وأهميتها البالغة في كل من العلاقات الدولية والقانون الدولي العام، لا بد أن نقرر ما هو الحق فيها مُؤَيَّدًا بالأدلة وبروح التشريع الإسلامي [2] .
رأينا في مسألة استيلاء الأعداء على ديار المسلمين وأموالهم عنوةً وقهرًا وما يترتب على ذلك من نتائج فقهية: إن منطق القوة لم يعهد في الشرع مزيلًا ليدٍ محقّة، ومقررًا ليدٍ مبطلة، لأنه محض بغيٍ وعدوانٍ، وذلك -بالبداهة- لا يصلح سندًا للملكية؛ لكونه محرمًا في الشريعة تحريمًا قاطعًا.
ولو أقر مبدأ العدوان هذا، لانخرم أصل الحق والعدل، ولاضطرب حبل الأمن في العالم كله، وما أنزلت الشرائع وأرسل الرسل إلا لاجتثاث أصول العدوان وإقرار الحق والعدل بين البشر لقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ} ، وأيضًا لو كان الاستيلاء القهري بقوة السلاح من قبل الأعداء وسيلةً معترفًا بها شرعًا لامتلاكهم أموال المسلمين واستيطان ديارهم بعد إخراجهم منها [3] ، لما وجب الجهاد -في مثل هذه الحالة- فرضًا عينيًا على كل قادرٍ على حمل السلاح رجالًا ونساءً
(1) وقد استشهد في الهامش بحديث الناقة (العضباء) وقد مر، ورأينا أن ذلك إنما كان قبل القسمة لا بعدها، ولا خلاف حوله.
(2) ويترتب على ذلك أيضًا نتائج كثيرة في جهادنا اليوم -والله أعلم- منها: ملكية ما يغنمه المجاهدون اليوم من هذه الحكومات الطاغوتية -كحكومة النصيرية في الشام-، وهل يأخذ حكمَ الغنيمة مطلقًا كما هو المعنى المتبادر، أم لا بد من النظر إلى المسألة من زاوية أن كل ما بيد هؤلاء الطواغيت -النصيرية وأمثالهم- إنما هو بالأصل لعموم المسلمين واغتصبه هؤلاء قهرًا واستيلاءً بعد زوال دولة الإسلام -بإسقاط دولة الخلافة-، فهو حق لجميع المسلمين، مغتصَب منذ ذلك الوقت وإلى= =اليوم، وبالتالي فعندما يعود -هذا الحق- بالجهاد، هل تعود ملكيته لعموم الأمة -ممثلًا اليوم بجماعات الجهاد، حيث لا وجود لمفهوم الأمة بالمعنى السياسي إذ لا توجد دولة للإسلام ممكنة، وغابت الجماعة بمعنى المسلمين المنضوين تحت راية إمام ممكن-، وبالتالي لا يقسم تقسيم الغنائم، أم أن الأمر مختلف؟
ولست هنا أدعي أن الأول هو القول الصحيح الأوحد، ولكن أقول: المسألة تحتاج لبحث؛ خصوصًا وأن قول الشافعية -كما رأيت- ليس بالضعيف، إن لم نقل أنه هو الصحيح؛ والله أعلم.
(3) ذهب الشافعية إلى أن دار الإسلام لا تصير دار كفر بحال من الأحوال وإن استولى عليها الكفار وأجلوا المسلمين عنها وأظهروا فيها أحكامهم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وأما أبو حنيفة فقد اشترط لها لتصير دار كفر ثلاثة شرائط؛ منها: متاخمتها لدار الكفر -أي عدم اتصالها بدار الإسلام-، وإذا كان الراجح هو النظر إلى الدار بحسب الحكم المسيطر عليها، إلا أن الذي دعا الشافعية لقولهم السابق: هو نظرتهم لدار الإسلام: أنها تبقى دار إسلام حضًّا للمسلمين على استردادها بالجهاد. فانظر إلى عظمة فقهائنا!! وكذلك فأبو حنيفة رحمه الله يعتبرها دار إسلام ولو علتها أحكام الكفر ما دامت ملاصقة لدار الإسلام أملًا في إعادتها بالجهاد!