فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 209

-والفقير حقيقةً من لا يملك شيئًا- يستلزم عقلًا وبالضرورة ألا تكون أموالهم باقيةً على ملكهم بعد اضطهادهم وإخراجهم من ديارهم. وهذا الحكم الذي استفيد عن طريق اللزوم العقلي، لم يكن مقصودًا للمشرّع من سوق الآية الكريمة، فكانت دلالتها عليه لذلك بطريق الإشارة. هذا وزوال ملكية المهاجرين عن أموالهم يستلزم أيضًا انتقالها إلى الكفار بالاستيلاء والإحراز.

وقد كانت دلالة الآية الكريمة على المعنى الالتزامي الذي أخذ به بعض الحنفية مثارًا للاجتهاد بالرأي؛ فقد رأى الشافعية أنها لا تدل -كما رأى الحنفية- على زوال ملكية المهاجرين عن أموالهم ولا على انتقالها إلى الكفار بالاستيلاء، وأيدوا وجهة نظرهم بما يلي:

أن إطلاق كلمة"فقراء"على المهاجرين في الآية الكريمة ليس على سبيل الحقيقة حتى يقال إنهم أضحوا لا يملكون شيئًا، بل على سبيل المجاز؛ لأنهم لما بعُدوا عن أملاكهم ولم يعد لهم سلطان فعليٌّ عليها صاروا كأنهم فقراء، لا فقراء حقيقةً، والقرينة التي صرفت لفظ الفقراء عن معناه الحقيقي إلى المجازي هي إضافة الديار والأموال إلى المهاجرين، وهذه الإضافة حقيقيةٌ تفيد الملك والاختصاص، فملكية أموالهم لم تزل عنهم بالاضطهاد والإخراج من الديار بالقوة ولا بالاستيلاء القهري على تلك الأموال من جانب أعدائهم.

ولهذا كان من المقرر في الفقه الشافعي أن الكفار لو أحرزوا أموال المسلمين في ديارهم لا يملكونها بالقهر والاستيلاء، بل تبقى ملكيتهم على أموالهم رغم إخراجهم منها عنوةً وبقوة السلاح.

فالتأويل كما ترى إنما انصب على كلمة"الفقراء"في اجتهاد الشافعية لا على كلمة ديارهم وأموالهم ونحن -إزاء كل اجتهاد بالرأي على منهج التأويل الذي يستند إلى دليل- لا بد أن نرجح وجهة النظر التي يعضدها أدلةٌ وقرائنُ خارجيةٌ من القرآن الكريم نفسه.

ومنشأ الخلاف بين الحنفية والشافعية هو كلمة"للفقراء"؛ هل المراد بها معناها الحقيقي أو المعنى المجازي؟ وقد رأى الحنفية أن معناها هنا حقيقي، فاستلزم ذلك عقلًا أن تكون إضافة أموالهم وديارهم إليهم على سبيل المجاز، رفعًا للتناقض وتوفيقًا بين المعنيين. أما الشافعية فقد رأوا العكس من ذلك تمامًا.

فاتضح -بناء على الرأي الأول- أن المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم أضحوا لا يملكون شيئًا، فلزم من ذلك إشارةً وعقلًا أن تكون ملكيتهم قد زالت عن أموالهم وديارهم فعلًا، وانتقلت إلى الكفار بالاستيلاء والقهر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت