وفيه أيضًا:"فصل: قال القاضي [1] : يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر. وهو قول مالك، وأبي حنيفة. وقال أبو الخطاب: لا يملكونها، وهو قول الشافعي. قال: وهو ظاهر كلام أحمد، حيث قال: إن أدركه صاحبه قبل القسمة؛ فهو أحق به. وإنما منعه أخذه بعد قسمه، لأن قسمة الإمام له تجري مجرى الحكم، ومتى صادف الحكم أمرًا مجتهدًا فيه، نفذ حكمه."
وحكي عن أحمد في ذلك روايتان، واحتج من قال: لا يملكونها بحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب، ولأن من لا يملك رقبة غيره بالقهر لم يملك ماله به، كالمسلم مع المسلم. ووجه الأول، أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع. فأما الناقة، فإنما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة. فعلى هذا، يملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر.
وهو قول مالك. وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم، وهو قول أبي حنيفة. وحكي في ذلك عن أحمد روايتان. ووجه الأول، أن الاستيلاء سبب للملك، فيثبت قبل الحيازة إلى الدار، كاستيلاء المسلمين على مال الكفار، ولأن ما كان سببًا للملك، أثبته حيث وجد، كالهبة والبيع.
وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه، أن من أثبت الملك للكفار في أموال المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها، والتصرف فيها، ما لم يعلموا صاحبها، وأن الكافر إذا أسلم وهي في يده، فهو أحق بها.
ومن لم يثبت الملك، اقتضى مذهبه عكس ذلك. والله أعلم." [2] ."
قال الدكتور فتحي الدريني في كتابه (المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي) بعد ذكره لآيات الفيء من سورة الحشر [3] :"فالآية الكريمة تدل مطابقةً على إيجاب نصيبٍ من الفيء لهؤلاء المهاجرين كحقٍ لهم وهي مَسُوقَةٌ لهذا الحكم لأنه مقصود أولًا وبالذات من تشريع النص -وهذا بدلالة العبارة-، وتدل بطريق الإشارة إلى زوال ملكهم عن أموالهم التي تركوها في مكة، لأن وصفهم بكونهم فقراء"
(1) وهو هنا ينقل رأي الحنابلة.
(2) نفس المصدر (9/ 274) .
(3) {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 6 - 8] .