وانقبضت يدي.
قد انتصف اليوم وغلبني الجوع فخرجت واصطدت غزالًا وشويت جزءًا منه على نار من أخشاب عطرية فأخذ الرجل يأكل ويزدرد ويقهقه، وتمنيت لو غص بالعظام. ولما انتهى قال ليس لدينا هنا إلا النذر اليسير من الأنشراح، بيد أني لم أزل محافظًا على صمتي، وأخيرًا تمدد في ركن من الغار ونام، فنظرت إليه ورأيت نومه عميقًا ثم خرجت ودحرجت حجرًا كبيرًا عند باب الغار واتخذت سبيلي إلى الجزء المقابل من الجزيرة. وجاء دوري في الضحك ووجدت غازًا آخر وهيأت فراشًا من العشب والأوراق، ومن الأخشاب صنعت منضدة، وتطلعت من فوهة الغار فرأيت البحار العريضة أمامي وقلت الآن سأكون منفردًا. ولما أقبل اليوم الثاني خرجت مرة أخرى واصطدت جديًا وعدت به وجهزته كما سبق. ولما كنت غير جائع لم أستطع تناول الطعام وهمت على وجهي في أنحاء الجزيرة، وعند عودتي كانت الشمس قد غربت فدخلت الغار، فجلست على فراشي؛ ولكن بجوار منضدتي كان الرجل الذي ظننت أني دفنته حيًا بالغار الأول. وما إن وقع نظره عليّ حتى ضحك وألقى بالعظمة التي كان ينهشها وقال: آه لقد عولت على أن تعلمني خدعة نادرة، ولكن بالغار نفقًا لم تفطن إليه وقد خرجت منه للبحث عنك، وهذه مسألة هينة، لأن الجزيرة صغيرة، أما وقد تقابلنا فلا فراق بعد
فقلت: قم واتبعني. ففعل، وما ترك من الطعام كان قذى في عيني لأنه مد إليه يده، وأخيرًا فكرت أأزرع ليحصد هذا المخلوق؛ وشعرت بقلبي وقد تحجر
صعدت إلى صخرة عالية وقلت: أنظر حولك وتطلع إلى هذا الجدول الذي يشطر الجزيرة فستقيم في شطر وأقيم في الآخر. ومن المحال أن تجمعنا بقعة واحدة أو يضمنا خوان، فقال: لا يتأتى ذلك إذ ليس في مقدوري أن أصطاد الغزلان أو أقتنص الجديان. وإذا لم تتعهدني بالغذاء فسأموت جوعًا. قلت: ألا توجد فاكهة وطيور تستطيع اقتناصها، وسمك يقذف به البحر؟ فقهقه وقال: لا أهواها كما أحب لحم الجديان والغزلان. فقلت: أفهم الآن وأنظر إلى هذا الحجر الداكن من الشاطئ الثاني لهذا الجدول. سأترك لك كل يوم عنده جديًا أو غزالًا حتى تنال من الطعام ما تشتهي، ولكن إذا اجتزت هذا الجدول ودخلت في ملكي فمن المؤكد أني سأذبحك. نزلت من الصخرة وأرشدت الرجل إلى شاطئ الجدول،