فقال: لا أعرف السباحة، فحملته على كتفي واجتزت الجدول ووجدت له غارًا وهيأت له فراشًا ومنضدة كما صنعت لنفسي، ثم تركته، ولما حاذيت شاطئ الجدول ثانية كدت أطير من الفرح ورفعت صوتي قائلًا: سأكون الآن وحيدًا
مر يومان وأنا منفرد، وفي الثالث خرجت للقنص وكان وقت القيلولة وأعياني التعب حينما عدت؛ وإذ دخلت مغارتي وجدت الرجل منطرحًا على فراشي وقال: ها، ها. أنا هنا لقد سئمت الوحدة في منزلي وجئت لأعيش معك ثانية. فعبست وقطبت ما بين حاجبي وقلت: من المؤكد أني ذابحك. وجذبته من فراشي بذراعي وأخذته في الهواء الطلق ووقفنا سويًا على الرمال قريبًا من البحر العظيم. استولى عليّ الخوف وداخلني ذعر من السكون الشامل الذي يخيم على الوحدة مع أني لا أبالي بالناس لو أحاطوا بنا آلافًا لذبحته أمام أعينهم. وما راعني إلا أننا وحيدان في الصحراء لا ثالث معنا إلا الله. أرخيت عنان قبضتي، وقلت له: أقسم لي بأنك لا تضايقني بعد، وأنك تحافظ على حدود منازلنا ولا تجتازها وأنا أعفو عنك. فقال: لا أستطيع القسم، وخير لي أن أموت في الحال من أن أفارق وجه آدمي صبوح ولو كان عدوًا لي. ولهذه الكلمات عاودني حنقي فطرحته أرضًا ووضعت قدمي على صدره ويدي في عنقه، فحاول الخلاص برهة، ثم كان جثة هامدة. تولاني الخوف على أثر ذلك؛ ولما نظرت إلى وجهه ظننت أنه عاد إلى الحياة وخيل إليَّ أن عينه الذابلة الزرقاء ترنوا إليّ، وأن ابتسامته الخبيثة لم تفارق شفتيه، كما أن يديه اللتين كانتا قابضتين على الرمال في حشرجة الموت امتدتا نحوي فضغطت على صدره مرة أخرى وحفرت حفيرًا بجانب الشاطئ وواريته التراب وقلت: صرت الآن وحيدًا
هنا تجلت لي المعاني الحقيقية للوحدة والكآبة ولعدم الاستقرار والعزلة، فارتعشت وترنح كل عضو من هيكلي الجبار كأني طفل ترتعد من الظلام فرائصه، وقف شعر رأسي وتقلصت عضلاتي، ولم أستطع البقاء في هذه البقعة دقيقة واحدة، ولو عاد إلي شبابي. غادرتها هربًا وجبت هذه الجزيرة، وكلما يممت شطر البحر واصطكت أسناني واشتقت إلى صحراء شاسعة لا نهاية لها أتوارى فيها إلى الأبد
عند الغروب عدت إلى مغارتي وجلست في زاوية من الفراش وأخفيت وجهي بكلتا الراحتين، وتوهمت أني أسمع ضوضاء فرفعت بصري. ولعمري لقد رأيت الرجل الذي