فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 20396 من 65521

الحياة يتصاغر في عينيه حتى أهله ووطنه وجاه أبيه. . .!

العثير تثيره الرياح إلى الحلقوم والخياشيم، وذرات الرمل الساخنة تلطم الوجوه بمثل أطراف الإبر، والشمس الحارة ترسل من أشعتها سهامًا من نار تشوي الوجوه والأقفاء، والماء في القرب يوشك أن يجف من حر الصحراء، والحادي يحدو البُعْران في طريق لم يذلَّل بعد للأسفار، والفتى على بعيره شارد الفكر مذهوب اللب. . .

هذه رحلته الخامسة في سبيل الله، وقد خلف الدنيا كلها وراءه لا يقيم لها وزنًا ولا تخطر له على بال، لأنه مقبل على مهبط الوحي وأرض النبّوة. . . والحادي يحدو وفي نبراته حنين، وفي نغماته حزن وأسى؛ فهتف الفتى وقد هاج الحداءُ ذكرياته:

(يا لأبي الشيخ المسكين! يا لوطني الذي فارقته منذ سنوات ولا أدري متى أعود إليه. . .! ربّ، في سبيلك هجرتي وإليك وجهت وجهي، فاكتب لي الكرامة والظفر بلقاء نبيك المختار، وأسبغ رحمتك يا رب على أصبهان. إن في أصبهان أبي. . . وإن لي بأصبهان هوى الحبيب إلى الحبيب. . .!)

ومضى الركب إلى غايته، فلما بلغ وادي القرى، همس الركب بعضهم إلى بعض يتآمرون على الفتى الفارسيّ؛ فباعوه من رجل يهودي عبدًا. . .!

لقد بلغوا بالفتى حيث أراد ولكنهم جعلوا غُلاًّ في رقبته، والفتى راضٍ صابر، لأنه مؤمن بقضاء الله، لأن له أملًا يريد أن يبلغ إليه فلا عليه مما يناله في سبيله. . . رحمة الله له!

وأرسل الفتى أذنه وراء كل أثنين يتهامسان، لعله يسمع نبأً عن النبي العربي. . . وبلغ في النهاية ما أراد: هذه هي الأرض الموعودة، أرض بين حَرَّتين، بينهما نخل به علامات لا تخفى. إنها هي، فأين هو؟ فإنه لفي رأس عزق يعمل فيه ذات يوم لسيده بعض العمل، وسيده جالس تحته، إذ جاءه النبأ:

هذا رجل قادم يتحدث إلى سيده حديثًا ذا بال: (إن بني فلانة مجتمعون اليوم بقباء على رجل قدم عليهم من مكة يزعم أنه نبي. . .!)

يا للبشرى! أيكون هو النبي الموعود؟

وسمعها الفتى فانتفض انتفاضة أوشك منها أن يسقط على سيده، فما هو إلا أن تمالك حتى نزل عن النخلة يستمع النبأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت