لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا ... بحِدا السيف على ورد الردى
ووجوه كالمصابيح فمن ... قمر غاب ونجم قد هوى
غيرتهن الليالي وغدا ... جائرَ الحكم عليهن البِلى
يا رسول الله لو عاينتهم ... وهم ما بين قتالٍ وسِبا
من رميض يمنع الظل ومن ... عاطش يُسقي أنابيب القنا
ومَسوقٍ عاثر يسعى به ... خلف محمول على غيروطا
جزَرُوا جزر الأضاحي نسله ... ثم ساقوا أهله سوق الإما
وا قتيلًا قوّض الدهر به ... عُمُد الدين وأعلام الهدى
غسلوه بدم الطعن وما ... كّفنوه غير بوغاء الثرى
وشاعر علوي آخر لا يقل في جودة شعره وروعة شوارده عن أبي الطيب المتنبي، ولربما يجوزه في حماسة الملتهب وطموحه المتوثب المتحفز للانتقام في المستقبل الغامض، ذلك هو السيد حيدر الحلي ولد عام 1246 وتوفي سنة 1304، وبلده الحلة مدينة كبيرة تقع على أحدد فروع نهر الفرات قرب موقع بابل التاريخية، وقد نبغ فيها عدد غفير من الشعراء النابغين. وإن شاعرْنا هذا يمتاز بفخامة التعابير وروعة الأحلام ودقة الوصف والتصوير والمقدرة على التهويل وإلباس الحوادث جلباب الضخامة والجسامة ونحت هياكل الأشباح والأخيلة من مادة الواقع ولكن بتكبير وتعظيم، وله براعة ممتازة في استنهاض الراقد وتحذير الغافل عن الخطر الداهم ولو كان موهومًا، وقد عاش مفجوعًا بواقعة كربلاء التي تركت في نفسه أثرًا عميقًا فظهر هذا الانفعال النفساني جليًا في مراثيه. فأسمعه ينوح على شهيد الإباء، وديوانه كما سلف نواح وتهديد وزمجرة ووعيد:
وادعت حولي الشجا ذات طوق ... مات منها على النياح الهجوع
شاطرتني بزعمها الداء حزنًا ... حين أنّت وقلبي المفجوع
يا طروب العشيّ خلفك عني ... لم يهجني صبابة وولوع
لم يرعني نوى الخليط ولكن ... من جوف الطف راعني ما يروع
أي يوم بشفرة البغي فيه ... عاد أنف الإسلام وهو جديع
أينما طارت النفوس شعاعًا ... فلطير الردى عليه وقوع