الذي يبكي أمامه ويندب حظه وحبه ويبدي ذله ودموعه بشكل ضعيف سخيف، وإلا للمغنية التي تتأوه، وترثي حبها وحبيبها فتصف قلبها الذي أضناه البعاد، وحسنها الذي أذواه السهاد. . .
فإذا حاول مطرب بعد هذا أن يساهم في حركة الإصلاح فغنى مشيدًا بتاريخ بلده العظيم، أو حاضًا على النهوض والوثوب أو مصورًا جلال الحضارة ورفعة المستقبل، لا يقابل إلا بالفتور.
فمن ذا الذي خدر أعصاب هذا الشعب، حتى غدا لا يستسيغ إلا الساقط المسترخي الذي لا يقوم على أساس ولا ينهض إلا على الأنين المدعى، والحنين المصطنع؟
من ذا الذي فرض تلك الأغاني التي لا فكرة فيها، ولا غرض منها إلا ابتذالها وانحلالها؟
للشهرة نصيب، وللجهل نصيب!
فقد انتهز بعض المشهورين بالنواح والبكاء فرصة هجعة الحياة المصرية ففرضوا (لونهم) على الشعب فرضًا، وسمموا حواسه وخدروها بالآهات المصطنعة، وبالأنات المفتعلة؛ ودأبوا طول هذه السنوات لا يغذونه إلا بهذا الغناء المسموم، ولا يسمعونه إلا موسيقى جافة ميتة، وإلا ألفاظًا ساقطة لا حياة فيها ولا فكرة تحييها، ولا غرض يسمو بها إلى أفاق المجد الذي تفيض به الأغاني الأجنبية حتى أصبحوا - الآن - حجابًا صفيقًا بين الشعب وبين نوابغه من الموسيقيين العباقرة الذين ظلمتهم الشهرة الطاغية، فوقفوا صامتين مقيدين لا تسمح لهم ضمائرهم بالهبوط إلى ذلك الدرك، ولا ترحمهم الحاجة الملحة إلى طلب القوت فترفع إليهم هذا الشعب الظالم نفسه وأهله.
لا أريد هنا أن أسمي بعض المطربين والمطربات، ولكنني أقول: إن بعضهم - وهم الذين يتحكمون في سوق الأغاني وفي سوق الإذاعة، وفي سوق التمثيل السينمي في هذا الوقت على الأقل - أقول إنهم قد اغتنوا واقتنوا ما يغنيهم عن استغلال أحط الغرائز الإنسانية التي لا تزال تتغذى منهم هذا الغذاء المجرم! ما الذي يمنعهم من أن يساهموا في هذه الطفرة المباركة التي ستنهض بالشعب عن طريق أغانيه؟ ما الذي يمنعهم من أن يتركوا البكاء ولعويل ويساهموا في رفعة الشعب فيعرضوا عليه ألوانًا من الحماسة والشجاعة والوصف الطبيعي الجميل؟ إن تاريخنا مجيد سجدت له الدنيا، وإن حاضرنا عظيم بنفوس