التجريبية أو العلوم التي اصطلحنا على تسميتها بالعلوم الحديثة؛ لأن الحقيقة من حقائق الحرارة أو الضوء أو قوانين الحركة أو خصائص الأجسام - هي حقيقة ثابتة في جميع الجهات الأصلية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا بلا اختلاف. أو هي حقيقة إنسانية عالمية تتقرر في لندن كما تتقرر في القاهرة وبغداد، ولا يكشفها الإنسان حين يكشفها باعتباره شرقيًا أو غربيًا، أو باعتباره مولودًا في الشمال أو الجنوب، ولكنه يخترعها باعتباره إنسانًا مدركًا لما حوله حيث كان. وإذا اتفق أن كثيرًا من هذه الحقائق العالمية قد كشفها أناس من الغرب فليس معنى ذلك أنها خاصة بالغرب وأهله؛ إذ هي تتمة للحقائق الطبيعية التي سبقتها منذ بداية عهد الإنسان بالمعرفة، فهي جزء من التراث الإنساني لا مراء.
ويخلص لنا من ذلك أن التراث الشرقي هو التراث الذي عليه صبغة الشرق وينتمي إليه ولا يمكن أن ينتمي إلى غيره، وإن التراث الغربي هو التراث الذي عليه صبغة الغرب وينتمي إليه ولا يمكن كذلك أن ينتمي إلى غيره. أما العلوم الطبيعية فليست عليها صبغة شرقية ولا غربية، ولا مانع من أن يكون الإنسان شرقي التراث وإن يكون ملمًا بالعلوم الطبيعية في وقت واحد. وعلى هذا كيف يتطرق إلينا الشك في أن التراث الشرقي كاف لنضج الحياة العقلية عند ذويه؟ بل إذا كان التراث الشرقي وحده قد أخرج عقولًا ناضجة في جميع العصور، فكيف لا يخرج هذه العقول إذا جاز أن يقترب بالعلم الطبيعي وما إليه من تراث الإنسان؟
شيء آخر يجب أن يخرج من حسابنا إذا تكلمنا عن تراث الشرقيين وتراث الغربيين، ونعني هنا المعارف الرياضية من هندسة وحساب وما هو من قبيل هندسة والحساب، فإن الحقيقة الرياضية لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا بتغير الأمم والأفراد. وليس من شأنها أن تصطبغ بالصبغة الشخصية أو بالصبغة القومية حيث كانت، بل هي لا تتوقف على المشاهدات والمحسوسات بمقدار ما تتوقف على قوانين العقل المجرد المعزول عن خصائص الأوطان والأزمان. . . وأين هي الحقيقة الرياضية التي يصح على أي وجه من الوجوه أن تسمى حقيقة يونانية أو مصرية أو صينية؟ وأين هي الرياضة الشرقية أو الرياضة الغربية؟ إذا قيل أن هذا قانون رياضي فقد قيل هذا قانون إنساني يمسكه الشرقيون والغربيون على السواء، وامتنع أن يتعارض هذا وما يسمى تراثًا للشرقيين أو