إليه أدباؤنا، وأن يكتب في شأنه كتابنا، لأنه (جامعة الشرق) ، ووارث ثقافته، وعنوان مجده، ومعقد آماله!
إنك - يا صديقي - تقول لي في كتابك: (سوف تضيع صيحاتك وصيحات غيرك في شأنهما هباءً كما ضاعت من قبل صيحات وصيحات) . وأحب أن أقول لك إنه لم يضع شيء أبدًا، وإن الذين صاحوا من قبل قد أثروا بصيحاتهم آثارًا بعيدة المدى في العلم والتفكير والإصلاح. ويمكنك أن ترجع إلى عهد الأستاذ الإمام محمد عبده، لتوازن بين عقلية الأزهر الماضية وعقليته الحاضرة في العقائد والفقه وأحكام المعاملات والأحوال الشخصية، فتلمس الفرق بينهما، وتدرك أن صيحات هذا المصلح الديني لم تذهب هباء
ولقد كان الأستاذ الإمام محمد عبده أديبًا رائع البيان، وكان له ذوق ممتاز في فهم الشعر والنثر ظهر أثره في تفسيره لما فسر من القرآن، فهل منعه ذلك أن يؤلف في علم الكلام، وأن يفتي في الفقه، وأن يشرع شَبَاة قلمه لتأييد دعوته الإصلاحية الكبرى؟
بل لقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه أديبًا عاش في البادية ونزل في هذيل، يقيم معها ما أقامت، ويرحل معها إذا رحلت، ويتعلم كلامها، ويحذق لغتها، ويروي أشعارها، حتى بلغ من ذلك شأوًا بعيدًا، ولكنه لم يجعل هذا غرضًا، وإنما اتخذه وسيلة إلى علم أكبر، وفضل أظهر، ووقرت في نفسه كلمة الزبيدي الذي لقيه في طريقه، فتحدث إليه فوجده فصيح اللسان، عبقري الذكاء، فقال له: أيها الفتى! يعز عليّ ألا يكون مع هذه الفصاحة وهذا الذكاء فقه تسود به أهل زمانك! وقد أراد الله ذلك، فإذا الشافعي رجل من الرجال العالميين، وإذا اسمه مسجل في سجل الخالدين!
أما بعد، فيا صديقي العزيز: لا تَلْحَني ولكن أَعِنيَّ
محمد محمد المدني
المدرس بكلية الشريعة