-لا نلبس لهذه الأرض المقدسة لباسها كما تفعل الأرض ذاتها، ولا نحييها باطراح شرورنا ونبذ ما ران على قلوبنا، كما تصنع هذه الجلاميد؟ ولقد هممت أن أقوم احترامًا، بل لقد قمت فعلًا، فما راعني إلا أن أجلستني السيارة المنطلقة في عنف، طالبة أن أكف عن الاسترسال في هذا الخيال وأنصرف معها إلى ما هي فيه من جد وكد عنيف!
ولم نلبث بين هذه الجلاميد إلا ساعة أو نحوها حتى تبدت الأرض في حلة من وشى جديد، تختلط فيه خضرة العشب الغض بسواد الصخور الصم، فكأن الطبيعة قد أرادت بهذا الجمع بين النقيضين أن تجيء بالبرهان القاطع على أنها لا تعرف هذا الذي تواضع الناس عليه من فصل بين شتى مظاهرها في هذا الكون الذي هو معرض الاتساق!
وكان جميلًا أن يُرى ما كان يحسبه الإنسان من هذه الصخور الجرد مثالًا للقسوة وتمثالًا للجمود ينشئ الحياة الغضة إنشاءً ويخرجها أعشابًا طرية من بين الفرجات الصغيرة التي فيه، ويجمع لها في هذه الشقوق الماء الذي تحتاج إليه لترتاح له وتأنس بالمقام عنده وتطمئن - في ضمان حياتها - إليه.
وكانت الجبال على أتم صلة ببعضها، فلا يفصل بينها شيء إلا صبغته بصباغها الأحْوى، وعلمته كيف ينساق لمشيئتها في غير تردد ولا بطء: فالجداول الصغيرة، والوديان الفسيحة، وهذا القليل من رحاب الأرض المنبسطة، ومخارم الجبال ذاتها أيضًا، كل أولئك كان طائعًا لتلك الجبال يصل ما بينها ليظهرها أمام العين بمظهر واحد ينم على الألفة المتينة والوداد الجميل.
وكانت هذه المشاهد التي تطغي على القلب والعقل، فتملأ ذاك غبطة وتزيد هذا إيمانًا بالعجز أو سدورًا في الضلال، جديدة أمام عيني؛ وكان كل واحد منها جديرًا بأن أطيل النظر فيه لنتعارف، ولكن السيارة كانت تأبى، وحسبتْ أن ذلك قد يطول منا فنعتاقها عما هي وراءه من تقريب الشقة أمام هذا الركب الضجر الملول. وجدة المشاهد أمام العين تذكّر بعهد الطفولة حين يخرج الواحد منا من ظلماته الأزلية إلى هذا النور الدنيوي - أو الذي نسميه نورًا وما ندري من أمره حقيقة ولا ندرك كنهًا - فكل ما تقع العين عليه جديد لذيذ، يبعث الفضول ويرهف الحس ويصب على الفكر وابلًا من الأسئلة الخالدة التي تطوف في فكر كل ذي فكر؛ ثم لا يلبث المرء أن تعييه الإجابة فينزل عند حكم المشيئة التي أرادت