ما أمض أن يتطلع إنسان فيرى رفاقه تقدموه على حين يرى نفسه منبتًّا فاقد الأمل! لقد كان مجاهد أذكى لداته لبّا وأقواهم للتعلم استعدادًا. . . ومحمد بك رأفت هذا الضابط العظيم الذي تنبئ شاراته النحاسية عن رتبته. كان أحد التلاميذ الكثيرين الذين كانوا يرنون دائمًا إلى مجاهد معجبين، وادّين من كل قلوبهم لو يكون لهم بعض تفوقه وبعض رضاء المعلمين عنه. وآباء التلاميذ وأمهاتهم في حي القربية لم يكونوا يعرفون أنموذجًا ينبهون أبناءهم إلى احتذائه غير مجاهد. نعم، مجاهد! الذي يعمل ألان مدرسًا أهليًا في مدرسة فقيرة، والعطل من حلية الدبلوم! والذي يتقاضى راتبه منجما من نصف جنيه ومن ريال!
كان مجاهد قد أحرز البكالوريا والتحق بمدرسة الحقوق، وكان جده وذكاؤه يسوقان له البشرى ويضيئان بين يديه مناهج الأمل، ولكن ظروفا ألمت بآله، فوجد نفسه يومًا مضطرًا إلى العمل كيفما اتفق ليعول أسرة فيها بنات وبنون كالفراخ الزغب. . .
ولم يبح لأحد من لداته بأمره، ولم يفعل سوى أن مرّ بردهات المدرسة وأفنيتها جميعًا كأنما يأخذ لعينه الزّاد من منظرها وانطلق وراء أسرته في موطنها الأصلي، وهو ممسك بقلبه خشية أن يتصدع. . .
وحين بصر برفاقه الطنطاويين في إجازة العيد توارى منهم خجلا، وإشفاقًا من أسئلتهم المحرجة عن أسباب انقطاعه عن الدراسة، ولكن الحظ السيئ مع ذلك أوقعه فيهم غير مرّة، فعانى أسئلتهم، وأجاب والحزن يمزّقه والكلمات تحتضر على شفتيه، أنه يعمل مدرسًا في مدرسة شمس المعارف. وتلقى من سخريتهم وضحكاتهم ما شاءوا وشاءت له الظروف. . .
وحين كانوا يقبلون على البلد صيفا، كان يلتقي ببعضهم أحيانًا، فكانوا - وهم لم يتجاوزوا بعد عهد الطالب - يتكلمون إليه تكلم من تعلم لمن لم يعرف من العلم شيئًا. . . يتحدثون فيسرفون في الإساءة إليه من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، قال أحدهم مرة وهو ضاحك: مجاهد هذا يصلح وكيلًا لمكتبي حين أكون محاميًا، فهو خير من يجمع لي عناصر الدفاع؛ وأردف آخر: ولكني لن أدعه لك فإني سآخذه في بطانتي حين أكون وزيرًا. لقد كانوا يتحدثون منذ شبابهم الباكر حديث الحكام، فكانت لهجتهم الشامخة العابثة تدمي قلبه لم يكن وطّن للمصائب. ولقد كان يملأ نفسه الرقيقة العزيزة أنهم كانوا يفيضون أحيانًا في