لا تروج إلا عند العوام وأشباههم وليس ثمنها يبالغ مهما بلغ عشرين قرشًا. هذا البائع المسكين يهيج موضع الإشفاق والحب والرحمة في مجاهد. ما أشبهه بإبراهيم عثمان في جملة سمته، ولكن هذا البائع بادي البؤس، وإبراهيم وهو ابن الأسرة الغنية يتفيأ ظلال النعمة. . . ولكن هذا البائع مكتئب وكأن الدموع في عينيه تضطرب، والعهد والظن في إبراهيم أنه مملوء الوجه بنضارة الحياة، منفرج الثغر دائمًا عن بسمة لا تغيض. . . ولكن هذا البائع يزحف إلى الستين، وإبراهيم وهو في سن مجاهد لما يقتحم الأربعين
إن قلب مجاهد لينازعه إلى إبراهيم صديق الطفولة والصبا. يا رب يوم أمضياه في مرح لا تشوبه شائبة، ويا رب أقاصيص تبادلاها على صفاء ومحبة!
ليت مجاهدًا يرى إبراهيم ليحيى وإياه ذكريات صباهما السعيد. ليته يراه فلقد يجد فيه متنفسًا لصدره الضيق وروحًا لقلبه المحرور كما كان يجد فيه عونًا على مشاكله الصغيرة أيام الحداثة. . . بل ليته لا يراه مد العمر حتى لا يزداد قلبه احتراقًا حين يرى نفسه خلف الزحام وتربه في مقدمة الموكب. . .
يا ويلتا! أشرب أحد من لداته كأس البؤس مريرة كما شرب؟ لقد حادت عن قصدها أحلامه وصدعه وحده ريب الزمان!
ودنا البائع من مكان مجاهد يتخطى أمتعة المسافرين في عناء، ويرفع من نداءاته كأنما يسترحم بها وبنظرات عينيه سفارًا سيتركونه في جزيرة مهجورة. . . دنا من مجاهد، وما التقت عينيه بعينيه حتى هرع إليه: مجاهد؟ مجاهد أفندي. . . أإنك لأنت مجاهد!!
-نعم، هو أنا؛ وأنت؟ أتكون إبراهيم عثمان؟
وتعانق الصديقان القديمان. . . ولكن صفير القطار لم يمهلهما حتى يعرف كل منهما شيئًا عما كان في حياة صاحبه. . .
هبط إبراهيم. . . وانطلق القطار بمجاهد. . .
(المنصورة)
لبيب السعيد