الحياة ولذة الدنيا وركود النعمة أقوامًا لو غالبتهم على المال ما غلبوا، أو جاريتهم على كسب الحطام ما وهنوا
لقد ثار ثائر دجلة اليوم كما ثار ثائه من قبل فأقض على الناس المضاجع وهلعت طوله قلوب أهل الريف؛ أولئك يخشون على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، يخيل إليهم أن ما هم فيه من نعيم مقيم وعيش رغيد وآمال باسمة وحياة حالمة سيكون مآله مآل ثراء قارون ومدينة بابل. وأولاء يرون بين الأمواج القضاء النازل على ما بذروا وزرعوا وما أعدوا لنيل العيش وسد الجوع واتقاء الآفات. هذا شأن الناس على شاطئ دجلة والفرات وروافدها كل عام في مثل هذه الأيام
لقد استطاع سكان العراق القدماء اتقاء هذا البلاء الذي تناهب نفوس المعاصرين، فكانوا ينامون آمنين مطمئنين لا يخافون على نفس ولا مال، حتى لقد هزئوا بطغيان النهر ولم يغلبهم الصِّرْى وكانت القنى تنهب الماء نهبًا فتملأ به رحاب العراق فتنقلب صحراؤه جنانًا خضرًا وحدائق غلبًا حتى لقد كان الطير ينتقل بين الرقة والأبَّلة قرب خليج البصرة فلا يجد إلا ظلًا ظليلًا وماء سلسبيلًا، ويجري الأرنب بين الأشجار فيستريح إلى جانب النهر ولا يقف به خببه حتى يدرك غايته لا يشتكي عناء ولا لغوبًا، ويجري ساعي البريد بين بغداد والشام لا يرى شمسًا ولا زمهريرًا. لقد كان (السواد) جنة الدنيا وقلب الأرض تجبى إليه ثمرات كل شيء، وتجتمع في سرته الدنيا؛ كل ذلك بهذا الفضل من الماء الذي يهددنا في هذا الشهر من كل عام، والذي صرنا نخافه ونخشاه ونتقيه ولا نكاد نملك في صده ودرء عاديته سوى جهد ضئيل لا يكاد يوازي جهد البغاث في دفع الطير الكاسر
يقولون إن في الهند والصين أنهارًا يتقرب إليها الناس بالارتماء في مياهها والغيبة بين أمواجها حتى لتتكاثر الجثث على شواطئها فما يزيد ذلك عابديها إلا رغبة في إرضائها وتزاحمًا على الموت في أجوافها. وليس ذلك بالعجب الكبير؛ فإن القوم تمثلوا القوة في أعظم شيء في أعينهم فترضوه وخافوه وافتدوا منه الأجيال بعدد يسير من الضحايا ليس مصيرهم في عقيدتهم إلا نعيمًا مقيمًا؛ إنما العجب من قوم رقت عقائدهم ودقت إفهامهم ونضجت معارفهم ثم هم يرون الخلود لأجسادهم ولا يرونه لأرواحهم، فماتت قلوبهم وذلت نفوسهم. أما مادتهم فهي وارفة وأجسامهم فهي ناضرة يصح فيهم قوله تعالى: (وإذا رأيتهم