فسر بنا في ذِمام الليل معتسِفًا
فنفخةُ الطيبِ تهدينا إلى الحللِ
تبيتُ نار الهوى منهن في كبدِ
حرَّى ونار القرى منهم على القُللِ
يَقْتُلْنَ أنضاءَ حُبِّ لا حِراك بهم
وينحرون كِرام الخيل والإبلِ
لا أكرهُ الطعنة النجلاء قد شفِعت
برشقةٍ من نبال الأعين النُّجلِ
وكل منهما يدعو إلى المعالي ويتمرد على الذل، فالشنفرى يرتكب الصعب من الأمور، فيقاوم الجوع حتى ينساه، ويذهل عنه، ولو أدى به الحال إلى أن يستف التراب حتى لا يرى لأحدِ فضلًا عليه فنفسه مرة لا تقيم على الضيم، ولا ترضى به مهما كانت الأمور:
أُدِيمُ مِطالَ الجوعِ حتى أُمِيتهُ،
وأضربُ عنه الذِّكرَ صفحًا، فأذهَلُ
وأستفُّ تُرب الأرضِ كي لا يرى لهُ
عَليَّ، من الطَّوْلِ، امرُؤ مُتطوِّلُ
ولكنَّ نفسًا مُرةً لا تقيمُ بي
على الضيم، إلا ريثما أتحولُ
أما الطغرائي: فيرى أن حب السلامة يثني همم الضعفاء فيغريهم بالكسل والخمول، ويدفعهم إلى تجنب المغامرات، والبعد عن الأهوال، والإنزواء عن الناس. وأما المعالي فإنها تدعو صاحبها إلى المغامرة وركوب الأخطار:
حبُّ السلامةِ يثني هم صاحبهِ
عن المعالي ويغري المرء بالكسلِ
فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقًا
في الأرض أو سلمًا في الجوِّ فاعتزلِ
ودع غمار العُلا للمقدمين على
ركوبها واقتنعْ منهن بالبللِ
يرضى الذليلُ بخفض العيشِ مسكنهُ
والعِزُّ عند رسيم الأينق الذّلُلِ
وكل منهما لا يرضى بالإقامة ولكن مطلب كلٍ منهما مختلف، فالشنفرى طريد جنايات ارتكبها، يتوقع أن تنقض عليه، فهو هارب من وجه الساعين إلى دمه، ينام بعيون يقظى، فلا يضع جنبه على وجه الأرض حتى تعاوده الهموم من كل جانب، وقد اعتاد هذه الهموم وألفها، ولذلك يقول:
وآلف وجه الأرض عند افتراشها
بأهْدَأ تُنبيه سَناسِنُ قُحَّلُ؛
طَرِيدُ جِناياتٍ تياسرنَ لَحْمَهُ،
عَقِيرَتُهُ في أيِّها حُمَّ أولُ،
تنامُ إذا ما نام، يقظى عُيُونُها،
حِثاثًا إلى مكروههِ تَتَغَلْغَلُ
وإلفُ همومٍ ما تزال تَعُودهُ
عِيادًا، كحمى الرَّبعِ، أوهي أثقلُ
أما الطغرائي: فإنه لايرضى بالإقامة، لأن نفسه تحدثه أن العز الذي يريده لا يتحقق بإقامته وإنما يتحقق بالتنقل والرحلة.
إن العلا حدثتني وهي صادقةٌ
فيما تُحدثُ أن العز في النقلِ
كما أنه يهدف إلى تحقيق آماله، التي يتوقع حصولها يومًا بعد يوم:
أعللُ النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل
وكل منهما له في الحديث عن الصبر حِكمٌ تسير مع الزمن، فالشنفرى مولى الصبر يلبس ملابسه على قلبِ مثل السِّمع، والسِّمع هو الذئب الشجاع، وينتعل الحزم:
فأني لمولى الصبر، أجتابُ بَزَّه
على مِثل قلب السَّمْع، والحزم أنعلُ
وهو لايجزع من الفقر ولا يفرح للغنى:
وأُعدمُ أحْيانًا، وأُغنى، وإنما
ينالُ الغِنى ذو البُعْدَةِ المتبَذِّلُ
فلا جَزَعٌ من خِلةٍ مُتكشِّفٌ
ولا مَرِحٌ تحت الغِنى أتخيلُ
لكن الطغرائي: يتبرم من إدبار الدنيا عنه، وإقبالها على غيره، ويشكو لأن أناسًا أقل منه قد سبقوه، وكان حظهم أعظم من حظه:
ماكنتُ أوثرُ أن يمتد بي زمني
حتى أرى دولة الأوغاد والسفلِ
تقدمتني أناسٌ كان شوطُهمُ
وراءَ خطوي لو أمشي على مهلِ
وقد شاعت الحكمة وانتشرت في كلا القصيدتين، حتى تغنى الناس بحكم كل منهما ومن حكم الطغرائي التي يرددها الناس على مرِّ الزمان قوله:
وإن علاني مَنْ دوني فلا عَجبٌ
لي أسوةٌ بانحطاط الشمسِ عن زُحلِ
وقوله:
أعدى عدوك من وثِقتْ به
فحاذر الناس واصحبهم على دخلِ
فإنما رُجل الدنيا وواحدها
من لايعولُ في الدنيا على رجلِ
وقوله:
وحُسن ظنك بالأيام معجزَةٌ
فَظنَّ شرًا وكن منها على وجَلِ
غاض الوفاءُ وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخُلفِ بين القوْل والعملِ
وشان صدقكَ عند الناس كذبهم
وهلْ يُطابق مِعْوجٌ بمعتدلِ
فيم اقتحامك لجَّ البحر تركبهُ
وأنت تكفيك منهُ مصة الوشلِ
مُلكُ القناعةِ لا يُخشى عليه ولا
يُحتاجُ فيه إلى الأنصار والخَولِ
خلاصة:
والواقع أن الحكم المنتشرة في لامية الشنفرى منتظمة ضمن ذلك العقد الذي ينتظم قصيدته، وضمن تجربته في الحياة، إنها فرائد منها مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا قويًا محكمًا.
أما فرائد الطغرائي، فمتناثرة في قصيدته، والرابط بينها ليس من الإحكام والقوة التي ظهرت في لامية الشنفرى فقد جاءت مرتبطة حينًا بتجاربه في الحياة، ومرارة العيش التي يشكو منها، وأحيانًا يضعف ذلك الخيط الذي يربطها فيبدو واهيًا ضعيفًا، وتبدو متراصة بعضها بجوار بعض في معزل عن تلك التجارب.
موقع ألق الشعر
جميع الحقوق محفوظة لـ سامي العوفي / 1420هـ
ـ [أبوعمار الأزهري] ــــــــ [27 - 11 - 2006, 11:17 م] ـ
وكل منهما يذكر المرأة في لاميته غير أن منهج كل واحد منهما مختلف عن الآخر،أما الطغرائي:
فإن نفح الطيب المنبعث من المرأة يهديه في طريقه، ويجذبه إليه فيدعو صاحبه أن يحث السير إليها، وحب النساء يصمي قلبه، وعيونهن النجلاوات ينفذن إلى شغاف نفسه، فيقع أسيرًا لهن
فسر بنا في ذِمام الليل معتسِفًا
فنفخةُ الطيبِ تهدينا إلى الحللِ
تبيتُ نار الهوى منهن في كبدِ
حرَّى ونار القرى منهم على القُللِ
يَقْتُلْنَ أنضاءَ حُبِّ لا حِراك بهم
وينحرون كِرام الخيل والإبلِ
لا أكرهُ الطعنة النجلاء قد شفِعت
برشقةٍ من نبال الأعين النُّجلِأخي الفاضل الشمالي، الذي تأكد أخيرًابالأدلةبالنسبة للغزل في لاميةالطغرائي أنه لم يكن غزلًا على الحقيقة وإنما أترككم مع هذه المادة التي توضح ماأقول
وأطلب منكم العفو لما فيها من تشويش
تحياتي لكم جميعا أيها الأحبة
من هنا ( http://up.9q9q.net/up/index.php?f=WxvMqlHdC)
(يُتْبَعُ)