وقال قائل: إن كانت السماء خرست في عهد النبي - صلى الله عليه وسلّم -، أفكانت قبل ذلك ضائعة والشياطين للملائكة في علم ما يجري فيها مشاركة؟ فإن كان ذلك جائزًا فهلا سكنت السماء كما سكنتها الملائكة؟ وماذا أثر إخراج إبليس منها؟ فإنكم تزعمون أن الله - عز وجل - قال له: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أفكانوا بعد هذا القول متمكنين من السماء يقفون على إخبارهم، ويعلمون ما يجري فيها.
وقال قائل: كيف تقع الثقة بما يصفون من هذا الأمر العظيم، وقد عقل أن الجن أَلطف حواسًا، وأضفى أذهانًا وأثقب إفهامًا، وأقوى على كثير من الأمور من الإنس؟ فكيف يجوز أن يشاهدوا واحدًا أو مائة من جنسهم يسترقون السمع، فيقدمون السمع، فيقدمون بالنار ويهلكون، ثم هم على ذلك يعودون لمثل صنعهم، وليس في العادات أن يستنصر عاقل بأمر فيعلمه سببًا للهلاك يقينًا، فيتعرض له، فكيف صارت الجن تعقل هذا وتختاره لأنفسها؟
فالجواب: الأصل الكهانة ما ذكرنا، ولم يكن الكهان يدعون لأنفسهم سببًا غير اختيار الجن إياهم، مما لا يجبرون به غيرهم، وقد عقل أن الجن لا تصل إلى معرفة ما لا يكون في الأرض ولا في الحويل يكون في السماء إلا بان، يخبرهم عنه مخبر، فأما أن يهبط عليهم من السماء من يحدثهم، وأما أن يرتقوا هم إلى السماء فيستمعوا ولما لم يكن يهبط عليهم من السماء أحد، دل ذلك على أنهم كانوا ينسبون بالإرتقاء إليها إلى معرفة ما يجري فيها، ولا يجوز أن يدخلوها ويتمكنوا فيها، لأنها مكان غيرهم فثبت أنهم لم يكونوا يصلون إلى أكثر من استراق كما وصفه الله تعالى.
ثم أن الذي ذكره الله - عز وجل - في كتابة من أمر الشهب، فجملة القول فيه: أنه ليس فيما يتلوه من كتاب ربنا عز وجل: أن الشياطين تومى بالكواكب أو بالنجوم وإنما فيه ما يذكره، وهو أنه - عز وجل - قال حكاية عن الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} .
فأخبرت الجن أنه زيد في حراس السماء حتى إمتلأت منها ومنهم.
وفي ذلك دليل على أنه كان فيها قبل ذلك حراس وشهب معدة معهم.
والشهاب في لسان العرب: النار المتوقدة، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} ويجوز أن تكون المصابيح هي الشهب المعدة مع حراس، دون أن يكون المراد بها كواكب السماء لأن المصباح هو السراج، فلو كانت الكواكب مصابيح لم يكن لتخصيص الشمس بتسميتها سراجًا معنى.