فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 1140

فثبت أن المراد بالمصابيح الشهب المعدة للقذف، وإن تزيين السماء بها هو تزيين ما يلي سكانها منها لا تزيين ما يلينا منها.

وقال عز وجل: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} .

فمن قرأ بالإضافة والجر فوجهه: إن السماء زينت بمثل الكواكب.

وزينة الكواكب النور والإشراق.

فكذلك زينت في السماء لأجل الحراسة شعل منيرة مشرقة، كأنها في رأي العين كواكب حسًا وكثرة.

ولو كان المعنى غير هذا لأشبه أن يقال: إن السماء الدنيا بالكواكب، فلما قيل بزينة الكواكب، دل ذلك على أنها زينت بزينتها لأنها أنفسها، وزينتها كما ذكرنا والله أعلم.

ومن قرأ {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} ، والتنوين والجر، جعل الكواكب تفسيرًا للزينة، وذلك ما يدفع ما أوجبته القراءة الأولى، لأن كل نقطة بيضاء هي عند العرب كوكبة.

وكذلك من قرأ {بِزِينَةٍ} ، فنون الكواكب فنصب، وأراد بزينة جعلنا الكواكب لأنها تصلح أن يكون المراد بالكواكب في هاتين القراءتين الشعل التي أيدت بهاالحراس، بل ذلك هو الذي لا ينبغي غيره، لأنه لا يجوز أن يقرأ الآية الواحدة قراءتين متضادتين، فيكون المراد بإحداهما خلاف المراد بالأخرى.

وقد بينا إن قرأ بالإضافة والجر تخرج قراءته إلا على أن يراد بها زينا السماء بالزينة التي هي الكواكب.

فلم يجز أن يكون المراد بالتنوين والجر، والتنوين والنصب، زينا السماء بالكواكب أنفسها، لأن زينة الكواكب غير الكواكب كما أن زينة كل مزين غيره، ويدل على هذا أن الله - عز وجل - ذكر السماء ذكرًا مطلقًا والكواكب التي يراد بها النجوم هي في الأفلاك خاصة، وليست مثبوتة في السماء كلها، فهذا يدل على أن المراد بها الشعل التي هي أشباه الكواكب، وليست بالنجوم.

وأما قوله عز وجل: {وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى} ثم قال: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} .

فأبان أن القذف إنما هو الشهاب الذي هو النار لا يكون من كواكب الأفلاك، ولم يذكر الله - عز وجل - في موضع من كتابه أن القذف لا يكون إلا بالشهاب وهو النار، فكان ما ذكرنا مفسرًا في عامة الآيات موافقًا لما أحمل في قوله عز وجل: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت