ومن العلماء من ذكر أنه كان يقول في سعيه: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت تعلم ما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، كما ذكرته في الطواف.
ومن قدر على الطواف والسعي ماشيًا فذلك أولى به لأنه أخشع وأخضع، ألا ترى أن التنقل بالصلاة على الأرض أفضل منه على الراحلة، فكذلك الطواف.
وأما النبي - صلى الله عليه وسلّم - فإنه طاف وسعى راكبًا، إلا أن ابن عباس قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وقد اشتكى، فطاف بالبيت على بعير ومعه معجن، كلما مر على الحجر استلمه، فلما فرغ من طوافه أناخ ثم صلى ركعتين.
وقال عطاء: أراد التوسعة على أمته.
وفيه وجه ثالث: وهو أنه كان علمًا، والطواف والسعي إنما كانا يقعان منه في الجميع، فكان يقول: «خذوا عني مناسككم» .
فأراد أن يرى لتؤخذ عنه، ويعلم كم طاف وكم سعى، ومن أين ابتدأ وكيف افتتح وإلى أين انتهى، وكيف ختم، وفي أي موضع أحل الشعر، وفي أية لزم سحبة المشي؟
وقال هشام بن عروة: كان إذا رآهم يسعون بين الصفا والمروة وهم ركبان قال: «خابوا وخسروا» .
فصل: وإذا أتى الموقف من عرفة فليتحر أن يقف وراء الإمام.
قيل لنافع: أين كان ابن عمر يقف في حجه؟ قال: يحاذي الإمام أو وراءه لا يخطئه أبدًا، ثم لا يبرح واقفًا حتى يدفع الإمام إلى أن يزحم زاحم من ورائه فيقدمه ويخطر بقلبه في الموقف أنه فسح فيه على البيت إلى أن يؤذن له في الزيارة، فليجتهد جهده قيامًا وذكرًا ودعاءًا بصدق يتفق فيه القلب واللسان، وإخلاص يشترك فيه الإسرار والإعلان، ولا ينبغي للواقف بعرفة أن يستظل، فإنه روي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - كانوا يصحون إذا أحرموا، فرأى ابن عمر رجلًا محرمًا قد استظل فقال: صح لمن أحرمت له، وكان سالم والقاسم إذا أحرما يضعان ردنيهما على ظهورهما.
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قيل بعرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
اللهم اجعل في سمعي نورًا وفي بصري نورًا، وفي قلبي نورًا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر بواتق الدهور».
وروي أنه وقف بعرفات وهو رافع يديه لا يجاوزان رأسه، زاد بذلك: كرفع الداعي يديه إذا دعاه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان فيما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في حجة الوداع: «اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المغرور، المعترف بذنبه.
أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، فمن خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين».