فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 1140

ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان كلما قرب طعامه اعتزل رجل من اصحابه فلم يأكل معه.

فقال عمر رضي الله عنه: ما يحملك على هذا؟ قال: إن طعامكم طعام حسن، وإني إذا انقلبت إلى أهلي وجدت طعامًا، ماء اللبن منه.

فقال أترونني أعجز أن آمر بصاع من دقيق فينخل في ثوب، حتى إذا خرج لبابه، خبز لنا منه خبز رقاق، ثم آمر بشاة فتشوى ثم آمر بصاع من زبيب فيجعل في سقاء، حتى إذا صار كأنه دم الغزلان، أكلنا من ذلك الخبز وذلك الشواء وشربنا ذلك النبيذ.

فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، وما أراك إلا عالمًا بلذيذ العيش.

فقال عمر رضي الله عنه: أما ـ والله ـ لولا أذكر من شدة الحساب لشاركتكم في لين عيشكم.

وعن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «سيكون بشر من أمتي يولدون في النعيم، ويعدون به همهم ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشدقون بالقول، أولئك شرار أمتي» فالذي يعقل من هذا أنه لا يجعلهم شرار الأمة، لأنهم ولدوا في النعيم وغذوا به، ولكن كانوا مترفين لا يطيقون احتمال نصب العبادة من لين عيشهم، فصارت نفسه مرفهة بشكر النعيم.

ولولا أن واحدًا من الناس ترك شكر نعمة نزلها إليه مثله، لكان مذمومًا ملومًا.

فما الظن فيمن يدع شكر نعم الله عليه، ويكسل عما يلزمه من إدائها إليه والله أعلم.

ولا يجمع في الإكلة الواحدة بين الألوان الكثيرة بذخًا ويسرًا، فإن أراد بذلك استصلاح بدنه فلا بأس.

وكل ما كان من فعل أهل النعيم وأهل الترف في باب الطعام فهو مذموم، وذلك مثل المبالغة في نخل الدقيق حتى لا يبقى إلا لبابه فإنه روى أنه لم يكن لهم في بيت النبي منخل، أنما كانوا يطحنون الشعير ثم ينقحونه فيطير قشره عنه، أو كما قيل: وكذلك الجمع في القدر الواحد من لحم النعم ولحم الطير، والجمع في العصيدة بين التمر والعسل.

هذا كله سرف غير محمود، قال الله عز وجل: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} .

إلا أن يجمع جامع بين شيئين أو أشياء ليعدل بعض ذلك ببعض، فيوافق طبعه بذلك الغائلة التي كان يخشاها من أحدهما لو أفرده.

يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو شئت دعوت فضلًا وفتات وصلائق وقراقيز واشتمه، وأملا دفعة ما ذكرنا من أطايب الطعام» وذكر أنه لا يدعو بها ولا يقصد قصدها لئلا يكون من المتنعمين.

ويروى أنه قال: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن ذكر أقوامًا يقول الله - عز وجل - لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت