فإن سئل سائل فقال: إذا كان نور المؤمن، فلم استحب تغيير، ولم لا كان الخضاب مكروهًا كما يروى عن سعيد بن جبير أنه قال: يعمد أحدهم إلى نور جعله الله في وجهه فيطفئه ـ يعني بالخضاب ـ.
فالجواب: أن ما جاء في تغيير الشيب، فليس يظهر أن يكون فيه غرض أكثر من الإظهار لليهود والنصارى في ديننا قبيحة، وأنه ليس علينا من الإغلال والإظهار ما كانت عليهم.
وإنه وإن كان في الناس من يكره الشيب، وإن لم يكن في وسعه دفعه، فقد جعل له تغييره.
لئلا يرى في وجهه ما يكرهه.
فأما السواد فيشبه أن يكون مطلقًا للنساء أن يخضبن به لأجل أزواجهن.
فأما الرجال فلا، لأن غرض المرأة أن تتصنع لبعلها وتريه رأسها أنه لم يشب، وإنما هو كما كان، والرجال لا يخضبون لهذا وإنما يخضبون لئلا تقع أبصارهم من البياض على ما لا يحبونه، ولهم في غير السواد مندوحة عن السواد، الذي هو من حاجة النساء.
وكان الأولى أنهم أن لا يتشبهوا بهن فيه والله أعلم.
وقد روي أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن تسويد الشعر، فقالت: لوددت لو أن عندي شيئًا أسود به شعري.
وهذا لأنها كانت محبوسة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - ولم يكن تحل لأحد بعده وكانت لعامة المؤمنين أمًا، فلم يكن يقع ذلك منها موقع الشرف إلى أحد والله أعلم.
وأما الأخذ من اللحية، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «حفوا الشوارب واعفوا اللحى» وهو ما جاء عن الصحابة في ذلك، فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يقبض على لحيته، فما فضل عن كفه أمر بأخذه.
وكان الذي يحلق رأسه يفعل ذلك بأمره ويأخذ عن عارضيه ويسوي أطراف لحيته.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يأخذ بلحيته ثم يأخذ ما جاء وراء العنفقة.
وعن الحسن رضي الله عنه قال: لا بأس أن يأخذ عن طولها، وعن نواحيها، وعن طاووس رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ من باطن لحيته، وعن إبراهيم أنه كان ينتظر لحيته ويأخذ من نواحيها.
وأما حلق الشارب فليس بمحفوظ عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ولا عن أصحابه.
وقال أبو الضحى رأيت عروة بن الزبير وأبا سلمة بن عبد الله، والقاسم بن محمد، فلم أر أحدًا منهم يزيدون على ما يصنع الناس.
فأما الأخذ من الشارب فليس كالأخذ من اللحية، ولكنه سنة مؤكدة.