وجاء عن بعض الصحابة قال: كنت سابع سبع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فأمرنا أن يجمع كل واحد منا درهمًا، فاشترينا أضحية بسبعة دراهم، فقلنا: يا رسول الله! لقد أغلينا فيها.
فقال: «بلى، أحب الضحايا إلى الله اغلاها وأسمنها» .
قال وأمرنا فأخذ رجل منا يدًا والآخر يدًا، والآخر رجلًا والآخر رجلًا، والآخر قرنًا، والآخر قرنًا وذبح السابع وكبرنا عليه جميعًا.
واختلف في الإنعام أنها أفضل أن يضحى عليها.
والثابت عندنا أن الأفضل البدن، ثم البقر والغنم أدون الضحايا، لأن الله - عز وجل - كما قال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} كان أيسر ذلك شاة، فعلمنا أن ما عداها أرفع منها.
ولأن الله - عز وجل - ذكر بهيمة الأنعام في كتابه وخص البدن بالذكر فأمتن بأنه حلها لنا لنتقرب بها إليه.
فدل ذلك على أنها أغلى ما يتقرب به إليه عز اسمه، ودل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقره، ومن راح في الساعة الثالثة فكإنما قرب كبشًا أقرن.
ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فلما كان الرواح في الساعة الأولى أفضل من الرواح في الساعة الثانية والثالثة، علمًا أن ما جعله مثلا له من تقريب بدنه أفضل من الذي جعله مثلًا لما بعده، ودل عليه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - حكم بأن البدنة تجزي عن سبعة، والشاة لا تجري إلا عن واحد، فكان المقرب ببدنه كالمقرب بسبع من الغنم، ومعلوم أن التقرب بسبع من الغنم أفضل من التقرب بشاة.
فوجب أن يكون التقرب ببدنه أفضل من التقرب بشاة.
وكذلك البقرة أفضل من الشاة لأنها تجزيء عن سبعة.
وجاءت الأخبار بأن البدنة تجزيء عن العشرة والبقرة عن سبعة، ولكن الأخبار في سبعة أثبت.
والناس على هذا دون القول الآخر.
ويشبه أن يكون إلحاق البقرة في هذا بالبدنة، وإن كانت أصغر جثة منها لأنها تحمي نفسها.
وهي مع ذلك كبيرة الجثة، وإن لم تكن كالبدنة، فنزلت من البدنة منزلة الصغيرة من البدنة الكبيرة، ولهذا كان حكم البقر أيضًا له حكم الإبل، فلم يكن لأحد وجد بقرة ضالة بفلاة أن يأخذها كما لا يكون له أن يأخذ بعيرًا ضالًا، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - منع من أخذ الإبل إن قال: «ملك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر وترد السباع بقرونها، وتذود عن نفسها كما تذود الإبل بعظمها وقوتها» فلما تقاربا من هذا الوجه اجزئ كل واحد منهما من سبعة.
وكانت أفضل من باب التقرب إلى الله - عز وجل - بهما من الشاة الضعيفة، التي لا فرق في حكم الضلال بينها وبين قطعة لحم تصاب والله أعلم.