يروون من الشعر ما لا يوجد
ففغر فاه مبهوتًا من شدة ذكاء الشيخ، وسرعة بديهته.
لئن كانت كتب الشيخ ابن عاشور × وأبحاثه كثيرة متنوعة فإن أعظمها وأشهرها وأحبها إلى قلبه تفسيره التحرير والتنوير الذي مكث في تأليفه تسعًا وثلاثين سنة؛ حيث بدأ فيه سنة 1341 وانتهى منه عام 1380 هـ وختمه بكلمة عظيمة مؤثرة قال فيها: =وإن كلام رب الناس حقيق بأن يُخدم سعيًا على الرأس, وما أدّى هذا الحق إلا قلم مفسر يسعى على القرطاس, وإنَّ قلمي استنَّ بشوط فسيح, وكم زُجِرَ عند الكَلالِ والإعياء زجر المنيح, وإذ قد أتى على التمام فقد حقَّ له أنْ يستريح.
وكان تمام هذا التفسير عصر يوم الجمعة الثاني عشر من شهر رجب عام ثمانين وثلاثمائة وألف, فكانت مدة تأليفه تسعًا وثلاثين سنة وستة أشهر, وهي حقبة لم تَخْلُ من أشغال صارفة, ومؤلفات أخرى أفنانها وارفة, ومنازع بقريحةٍ شاربةٍ طورًا, وطورًا غارفة, وما خلال ذلك من تشتت بال, وتطور أحوال, مما لم تَخْلُ عن الشكاية منه الأجيال, ولا كُفران لله فإن نعمه أوفى, ومكاييل فضله عَلَيَّ لا تُطَفَّفُ ولا تُكْفا.
وأرجو منه _ تعالى _ لهذا التفسير أن يُنجد ويغور, وأن ينفع به الخاصة والجمهور, ويجعلني به من الذين يرجون تجارةً لن تبور.
وكان تمامه بمنزلي ببلد المرسى شرقيّ مدينة تونس, وكَتَبَ محمد الطاهر ابن عاشور+ (1) .
صداقة ابن عاشور للشيخ محمد الخضر حسين:
لقد انعقدت بين الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ العلامة محمد الخضر حسين صداقة عظيمة تعد مثالًا رائعًا في صدق المودة، ورعاية الحقوق، ورقة الشعور، وحسن التذمم والوفاء، وحرارة الأشواق، ونحو ذلك من المعاني الجميلة؛ فلقد كانا قرينين في طلب العلم بجامع الزيتونة، وبينهما من العمر أربع أو ثلاث سنوات حيث ولد الخضر عام 1293 هـ، وولد الطاهر عام 1297 أو 1296 هـ.
(1) _ تفسير التحرير والتنوير 30/ 636_637.