بل ربما ردَّ عليه أحد من الناس، أو ناقشه في مسأله ما _ فلا تراه يغضب لذلك بل يستمع لمن يرد عليه بكل هدوء وارتياح، وربما رجع عن قوله إذا رأى وجاهة الرد، وربما قال: نَتَّهم رأينا، نراجع الموضوع، أو المسألة مرة أخرى.
وربما ناقشه بعض الناس بصلف، وجهل، وغرور، وسماحة الشيخ لا تفارقه سكينته، بل يتلطف بمن يناقشه، ويأخذه بالتي هي أرفق.
ومن عدله وتجرده أنه إذا قرئ عليه لعالم أو كاتب ما، وأحس من القارئ تذمرًا، أو سمع منه كلمة فيها فضاضة أو غلظة تقال في حق المقروء له_أظهر سماحتُه احترام ذلك المقروء له، وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: فيه خير كثير، وليس معصومًا، ولسنا معصومين، وكلنا ذوو خطأ، وهذه صفات البشر.
ومن عدله وإنصافه أنه لا يثرِّبُ على من قال بقول يخالف ما يراه؛ بل يتسع صدره لهذا الخلاف، ويلتمس العذر لمن خالف، ولا يُلْزِم غيره بأن يأخذ بما يراه، ولا يكلف نفسه عناء الرد على من يخالفه في مسألة أو قول له وجاهته، خصوصًا إذا كان القائل بذلك عالم له مكانته.
سابعًا: حلم سماحة الشيخ وسكينته: أما حلمه وسكينته؛ فلا يكاد يصدق بهما إلا من رأى ذلك بأم عينه؛ لأنك إذا سمعت عنه ذلك ربما تظن أنه من نسج الخيال، وماهو من نسج الخيال، وإنما هو جِبِلَّةٌ جُبِلَ عليها فريدُ دهره، ونسيجُ وَحْده.
لأن حلمك حِلْمٌ لا تَكَلَّفُه ... ليس التَّكَحُّل في العينين كالكَحَلِ
والحلم والسكينة يلازمانه في شتى أطواره، يستوى بذلك حاله في السفر والحضر، وفي الصحة والمرض، وفي الزحام والوحدة، ومع القريب والبعيد.
وقد مر بك، وسيمر شيء من ذلك في ثنايا هذه السيرة الغراء؛ فهو يحلم على من يجهل عليه، ويحلم على من يرفع الصوت بحضرته، ويحلم على من يسيء فهمه، ويحلم على من يرد عليه بالباطل، والقصص في هذا السياق كثيرة جدًا.