ومما يحضرني في ذلك أنه قبل سنتين من وفاة سماحته × كان في الطائف، وفي يوم من الأيام جاء سماحته من الدوام قريبًا من الساعة الثالثة إلا ربعًا، ولا يخفى عليك أنه قد قام في آخر الليل للتهجد، وأنه يجلس للدرس حتى الثامنة صباحًا، ثم يذهب للدوام ويقوم بما يقوم به من الأعمال العظام، فلما قدم من الدوام في ذلك اليوم دخل مجلسه، فحيا الجموع التي كانت تأتي كالعادة إليه، وبدأت الأسئلة تترى، والهاتف يستأنف رنينه.
وفي هذه الأثناء دخل على سماحته رجل ثائر، ومعه أوراق يطلب فيها شفاعة الشيخ؛ ليحصل على مال؛ ليتزوج، فشرع الرجل يتكلم بصوت مرتفع أزعج الحاضرين في المجلس، فوجهه سماحة الشيخ بما يلزم، وقال: اذهب إلى فلان في بلدكم الفلاني، واطلب منه أن يكتب لكم تزكية، ويقوم باللازم، ثم يرفعه إلينا، ونحن نكمل اللازم، ونرفع إلى أحد المحسنين في شأنك.
فقال الرجل: يا شيخ ارفعها إلى المسؤول الفلاني _ يعني أحد المسؤولين الكبار _ فقال سماحة الشيخ: ما يكون إلا خير، فرفع الرجل صوته، وأخذ يكرر: لابد أن ترفعها إلى فلان، وما زال يردد، وما زال الشيخ يلاطفه، ويرفق به، ويعده بالخير، حتى إن الحاضرين تكدروا، وبدا الغضب من على وجوههم، بل إن بعضهم هَمَّ بإخراج الرجل، ولكنهم تأدبوا بحضرة الشيخ، ولم يرغبوا بالتقدم بين يديه.
فقال الرجل: يا شيخ عمري يزيد على الخمسين، وما عندي زوجة، وما بقي من عمري إلا القليل، فتبسم سماحة الشيخ، وقال: يا ولدي _إن شاء الله_ ستتزوج، ويزيد عمرك _ إن شاء الله _ على التسعين، وسنعمل ما نستطيع في تلبية طلبك.
فما كان من ذاك الرجل الثائر المستوفز إلا أن تَبلَّجت أساريره، وأقبل على سماحة الشيخ، وأخذ برأسه يُقَبِّله، ويدعو له.