وقال مرة: يدخل عليَّ أصحابي وغيرهم، فأرى في وُجُوههم وأعينهم أمورًا لا أذكرُها لهم.
فقلت له _ أو غيري _ لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرّفًا كمعرف الولاة؟
وقلت له يومًا: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح، فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهرًا.
وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.
وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها.
وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، والله أعلم+ (1) .
لم يكن ابن تيمية × متمحمضًا للشعر؛ وإنما كان يستروح له، ويستشهد به، ويقوله إذا احتاج إلى ذلك إما جوابًا لسؤال جاء شعرًا، أو يبتدئ ذلك في بعض الأحيان.
ومن الأبيات التي كان يستشهد بها قول أبي تمام:
من لم يقد فيطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميسا
وكذلك قول المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
وكان _ كما يقول الصفدي _ كثيرًا ما ينشد:
تموت النفوس بأوصابها ... ولم تدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي ... إلى غير أحبابها ما بها
وأما شعره فله قصائد، وقد مضى ذكر لقصيدته التائية في الافتقار إلى الله _عز وجل_.
ومن أشهر ما يثبت من الشعر الذي قاله ما يلي:
القصيدة الأولى: قصيدته التائية في القدر: وهي التي أجاب بها عن السؤال الذي أُورد على لسان أحد علماء الذمة (2)
(1) _ انظر مدارج السالكين لابن القيم 2/ 458_459.
(2) _ اختلف في اسم السائل على أقوال، فقيل: إنه محمد بن أبي بكر بن أبي القسم الهمذاني السكاكيني الشيعي 635_731 هـ، وقيل: هو فتح الدين أحمد بن محمد البققي 660_701 هـ، وقيل: هو بعض المعتزلة، وكتم اسمه، وقيل هو رجل من أهل الذمة.
والأرجح القول الأول. انظر القصيدة التائية في القدر دراسة وتحقيق وشرح للكاتب.