وإن مما يقوي الرغبة في دراسة سيرة هذا الرجل أعني _ نور الدين _ هو ذلك التشابه بين الأوضاع القاسية التي مرت بها أمة الإسلام في الماضي، وبين الأوضاع التي نعيشها حاليا؛ فكأن التاريخ يعيد نفسه؛ فكان من مسوغات الحديث عن سيرته _ الاستفادة من هموم الماضي لعلاج الحاضر (1) .
فإلى ما يلي من أسطر تكشف لنا شيئًا من تلك السيرة العطرة لذلك المجاهد العظيم، تلك السيرة التي تنبي عن همة عالية ونفس كبيرة، وتُبِيْنُ عن شجاعة متناهية وبطولة وسؤدد.
لقد جمع الله لنور الدين الشيء الكثير، ولقد آتاه من مهيئات النبوغ، ومقومات الألمعية _ ما جعله يتبوأ تلك المكانة العلية من تاريخ الأمة الإسلامية.
فمن تلك الصفات التي اتصف بها نور الدين ما يلي:
أ _ التقوى والصلاح: فلقد كان نور الدين تقيًَّا، صالحًا، ورعًا، زاهدًا، يخاف الله _ تبارك وتعالى _.
وكان ذا تأله وعبادة، وأوراد، وقيام بالليل، وكان كثير التضرع، والدعاء واللجوء إلى _ الله عز وجل _.
قال ابن الأثير × متحدثًا عن صفات نور الدين: =فمن ذلك زهده، وعبادته، وعلمه؛ فإنه كان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين.
ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة، فأعطاها ثلاثة دكاكين في حمص، كانت له يحصل له منها في السنة نحو العشرين دينارًا.
فلما اسْتَقَلَّتْها قال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك.
وكان يصلي كثيرًا بالليل، وله أوراد حسنة، وكان كما قيل:
جمع الشجاعةَ والخشوعَ لربه ... ما أحسن المحرابَ في المحراب (2)
(1) _ انظر نور الدين زنكي في الأدب العربي ص 10.
(2) _ المحراب الأولى: صيغة مبالغة بمعنى كثير الحرب، والمحراب الثانية قبلة الصلاة، وبين الكلمتين جناس تام كما هو معروف عند البلاغيين في فن البديع.