فهرس الكتاب
إلا أن الأمر كان بعكس ذلك تمامًا، حيث كان دأبه الصبر، والرضا، وقوة التحمل، واستواء الطرائق، ولزوم الاعتدال في جميع الأحوال.
رابعًا: همته العالية: من العجائب في سيرة سماحة الإمام عبدالعزيز ابن باز همته العالية المتجددة، التي تزكو وتتسامى مع تقدمه في العمر.
وإذا أردت الحديث عن همته فإنك تحار؛ فبأي شيء تبدأ، وعن أي مجال تتحدث؟
ذلك أن همته العالية لا تقتصر على مجال معين، أو عمل محدد، بل هي شاملة لشتى الأعمال التي يقوم بها؛ فهمته العالية تتجلى في قراءة الكتب؛ فهو لا يمل قراءتها، بل كثيرًا ما يشرع في قراءة كتب مطولة لا يخطر بالبال أن يتمها؛ لما يُرى من كثرة أعماله.
وما هي إلا مدة ثم يتم قراءتها.
وتتجلى همته في الاطلاع على المعاملات، والتوجيه بما يلزم؛ فلا يمل ولا يكل من كثرة ما يعرض عليه.
وتتجلى في العبادة، وتطبيق السنة في شتى شؤونه.
وتتجلى في زكاء نفسه، وطهارتها، وترفعها عن السفاسف، والمحقرات.
ومن كان ذا نفسٍ ترى الأرضَ جولةً ... فلا بد يومًا للسماوات يرتقي
وتتجلى في سخائه، وجوده، وكرمه، في شتى صور السخاء، والجود والكرم.
وتتجلى في اغتنام الأوقات، والقيام بالمشروعات والأعمال العظيمة، التي تقف دونها عقبات، إلى غير ذلك من مجالات همته.
وعلو همته التي دلت على ... صِغَر الكبير وقلة المُسْتَكْثَر
وإن الذي يعمل معه، ويرافقه ليعجب أشد العجب مما يراه من همته×.
وإنك لترى الإعياء يبلغ مبلغه بمن يرافقون سماحته، ويعملون معه مع أنهم في قوتهم ونشاطهم، ومع أنهم مجموعة يتعاقبون العمل، ويتناوبون على القراءة عليه، ومرافقته، ومع أنهم يجدون متعة ولذة في العمل معه، ومع أنهم متفرغون له، ومع أن سماحته كبير في السن، ويقوم بأعمال متنوعة كثيرة.
ومع ذلك كله تجد أن سماحة الشيخ يقوم بالأعمال العظيمة بمنتهى اليسر، والسهولة، والسرور، والسكينة، يستوي بذلك حاله في السفر، أو الحضر، أو الصحة، أو المرض.