فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 394

وما كفى هذا إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوَّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده، وأخفاه، ولم يظهروا كتبه؛ فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد؛ فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب، والتصانيف.

ولولا أن الله _ تعالى _ لطف، وأعان، ومَنَّ، وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه، وتصانيفه _ لما أمكن لأحد أن يجمعها.

ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه، وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، ورد ما ذهب منها _ ما لو ذكرته لكان عجبًا يعلم به كل منصف أن لله عنايةً به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين+ (1) .

=تعبد ابن تيمة+

أما عبادته وأحواله × فكان عجبًا من العجاب، وذلك لما آتاه الله من جلد باهر، ورغبة ومحبة للعبادة، وقد مر شيء من ذلك.

قال تلميذه ابن القيم ×: =وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله_ تعالى _ إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ سقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا.

وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر، أو كلامًا هذا معناه+ (2) .

وقال البزار ×: =أما عن تعبده ÷ فإنه قلَّ أن سُمعَ بمثله؛ لأنه قد قطع جُلَّ وقته وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله _تعالى _ ما يراد له لا من أهل، ولا من مال.

وكان في ليله متفردًا عن الناس كلهم، خاليًا بربه _عز وجل_ ضارعًا، مواظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية.

وكان إذا ذهب الليل، وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم.

(1) _ العقود ص 72_73.

(2) _ الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم ص 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت