له لطفٌ وليس لديه عرفٌ ... كبارقة تروقُ ولا تُريق
فما يخشى العدوُّ له وعيدًا ... كما بالوعد لا يثق الصديق
ومدح رجلٌ بعض أمراء البصرة، ثم قال بعد ذلك وقد رأى توانيًا في أمره قصيدةً يقول فيها كأنه يجيب سائلًا:
جوَّدت شعرَك في الأميـ ... ـرِ فكيفَ أمْرُك قلتُ فاترْ
فيكفَ تقول لهذا؟ ومن أي وجه تأتي فتظلمه؟ وبأي شيء تعانده فتدفعه عن الإيجاز والدلالة على المراد بأقصر لفظٍ وأوجز كلام؟ وأنت الذي أنشدتني:
سَدَّ الطريق على الزما ... نِ وقام في وجه القطوب
كما أنشدتني لبعض شُعراء الموصل:
فدَيتك ما شِبْتُ عن كُبرةٍ ... وهذي سِنِيٌّ وهذا الحسابُ
ولكن هُجِرتُ فحَلَّ المشيبُ ... ولو قد وُصِلتُ لعاد الشبابُ
فلِمَ لم تخاصم هذين الرجلين في مزاحمتهما فحولة الشعراء وشياطين الإنس، ومَرَدة العالمَ في الشعر؟
وأنشدني أبو عبدالله المغلسي المراغي لنفسه:
غداةَ تولت عِيسُهم فترحلوا ... بكيت على ترحالهم فعميتُ
فلا مُقلتِي أدّت حقوقَ وِدادهم ... ولا أنا عن عيني بذاك رضيتُ
وسمعت أبا الحسين السروجي يقول: كان عندنا طبيب يسمى النعمان، ويكنى أبا المنذر، فقال فيه صديقٌ لي:
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبُّه ... نفوسًا نفيساتٍ إلى باطن الأرضِ
أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا ... حنانيك بعضُ الشرِّ أهون من بعض (1)
إلى آخر ما قاله في رسالته الماتعة (2) .
رحم الله ابن فارس، وأجزل مثوبته، وجزاه خير الجزاء كِفاءَ ما قدم للعلم والعربية.
(1) _ البيت لطرفة في ديوانه 48.
(2) _ انظر يتيمة الدهر للثعالبي 2/ 214_418، ومقدمة المقاييس 1/ 15 _ 20.
(3) _ انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 20/ 531.