لا زهدًا في النقد؛ فهو حياة الأمم إذا كان بانيًا, ولا اعتقادًا بعلمائنا وعظمائنا العصمة حاشا وكلاَّ؛ فماهم إلا بشر, وما كان لبشر أن تُدَّعى له العصمة, أو أنه لم ولن يقول إلا صوابًا؛ فليس ذلك إلا للأنبياء _عليهم السلام_ فيما يبلغون به عن ربهم _جلا وعلا_.
وإنما المقصود من ذلك نشر الفضائل, ومعرفة أقدار الرجال, وما جرى مجرى ذلك مما مر ذكره.
ثم إن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث؛ فكيف إذا كان بحرًا لا تكدره الدلاء؟
ثم إننا نرى الأمم الأخرى تحتفل بعظمائها, بل تبالغ في ذلك أشد المبالغة.
ونحن أولى بهذه المزية؛ إذ منبع عظمائنا ما يحملونه من دين وعزة, وكرامة, وخُلُق، وآثار.
وإنك لتعجب ممن يطعن بسلفه الصالح, ويزري بأكابر أهل ملته من علماء وفضلاء سواء كانوا أحياءًا أو أمواتًا.
يقول الأستاذ العلامة محمد كُرْد علي × في مذكراته 1/ 274: =دخل عليَّ مستشار المعارف, وأنا في مكتبي بالوزارة ظاهر الغضب على محرر جريدتنا المقتبس؛ لنشره في الجريدة تعريضًا ببعض رصفائي الوزراء؛ خدمة لأعراض من يخدمهم من حزبه؛ فسألني المستشار عن غضبي على خلاف عادتي, فذكرت له السبب, فقال: لا أعرف كيف أعلل هذه الأخلاق فيكم تسقطون أبدًا رجالَكم من الأعين, ورجالُكُم قليلون مهما بلغ عددهم لا يتجاوز المائة؛ فإذا أسقطتموهم كلهم فمن يبقى يخدمكم في السراء والضراء, وينفعكم باسمه ومكانته؟! +.
وقال الأستاذ محمد كرد علي _أيضًا_: =كان أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري وهو على سرير الموت يقول لمن حوله من أصحابه: اذكروا مَنْ عندكم من الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد, ودوِّنوا أسماءهم في جريدة؛ لئلا تنسوهم, ونوِّهوا بهم عند كل سانحة, واحرصوا عليهم حرصَكم على أعزِّ عزيز.
وأظنهم على كثرة ماكدَّوا حافظتهم وذاكرتهم لم يعدوا أكثر من خمسين رجلًا.
وكان يقول لنا _أي الشيخ طاهر_ تجاوزوا عن سيئاتهم, وانتفعوا بحسناتهم.