فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 394

وفي يوم من الأيام طال بنا المقام في اللعب؛ فجاء الوالد الشيخ على عادته اليومية من القهاوي _ مجالس الناس التي يستضيفون فيها الشيخ _ فسلم علينا، فرددنا عليه السلام، وقالت له الخادمة برجس: ياعم لَمْ تتناولِ القهوة عندنا قط؟ فقال: يا بنياتي ما عزمتوني _ أي لم تعرضوا علي ذلك _ اعزموني وآتيكم.

فقالت برجس: غدًا عندنا القهوة فلا تنس.

ولما كان اليوم التالي، وبعد أن رجع الشيخ الوالد من بعض المجالس، ووصل إلى بيته _ طرق علينا الباب بقوة، وهو يردد: يا برجس، يا برجس يناديها لتفتح الباب؛ ففتحنا الباب، ورحبنا به، ثم جلس في بيتنا الصغير على سجادة فرشناها له في المحْكُمة (1) يشرب القهوة والشاي التي أعددناها له، ويتحدث معنا.

وعند قيامه قال: هاه وأنتِ يا بنيتي نورة متى تعزميني مثل برجس؟

فقلت له: غدًا أنا عازمتك على القهوة.

وفي اليوم التالي لما عاد من المجالس التي كان يغشاها بدأ ينادي بصوت: يا نورة؛ ففتحت له الباب، وجلس معنا يتناول القهوة والشاي، ويتبسط بالحديث؛ ففرحنا أشد الفرح بجلوسه عندنا+.

ويضيف الأستاذ مساعد السعدي في روايته عن والده قائلًا: =تقول (2) الوالدة _حفظها الله_: لازلت أتذكر تلك الأوقات الجميلة حين يأتي الوالد للغداء فنجتمع _ نحن أهل البيت _ حوله؛ فيأنس بنا، ونتحدث إليه، ويتحدث إلينا.

وكانت عندنا قِِطةٌ صغيرة ذكية تعرف وقت غداء الوالد؛ فإذا جلس× للغداء جاءت عنده، وجلست بجواره؛ فكان يمسح على ظهرها، ويطعمها من غدائه؛ فإذا نهرها أحدٌ منا عاتبه، وقال: دعوها تتغدى معنا هي من أهل البيت.

(1) 1_ المحْكُمة: كلمة دارجة عند أهل نجد، وهي المكان الذي يجلس فيه صاحب المنزل لعمل القهوة والشاي، وإدارة تنظيم الجلسة، وإكرام الضيوف.

(2) 2_ تقول هذا الكلام بعد وفاة والدها الشيخ بإحدى وخمسين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت