فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 394

بل هو كالعود الهندي لا يزيده تقادم الأيام إلا زكاءًا وطيبًا، وكمالًا، وجلالًا؛ فمآثره تتجدد، وهمته تعلو وتسمو، وذاكرته تقوى وتزداد سنة بعد سنة، وقيامه بالمسؤوليات، وتحمله للتبعات يتضاعف يومًا بعد يوم، وأياديه البيضاء تَسِحُّ بالعطاء إثر العطاء، وعلمه يزدان ويزداد، والثقة به، والقبول له بازدياد واطراد؛ فبقي حاضرًا متوهجًا، معطاءًا حتى آخر لحظة من عمره.

الله أكبر! عبادة لله حتى اليقين، وحياة عامرة بالعمل المجيد حتى طويت كطيِّ السجل للكتب.

تلك حياة فقيد الأمة الذي سكنت أنفاسُه وحسامُه مُخَضَّبٌ بدم الجهاد في سبيل الحق؛ فلم يمُتْ على فراشه ملقي السلاح كما يموت ضعيف العزيمة مزلزل الإيمان.

بل لقد كان لسانه بالحق قوَّالًا، وعزمه في دحض الباطل صوّالًا، وفكره في هموم الأمة ومصالحها جوَّالًا.

وبعد أن رحل عن الدنيا أبقى لنا سيرة غراء، وذكرًا أطيب من ريح المسك.

فذٌّ عزيزُ المِثل جوهرُه ... زاكٍ كأنفاس الشذَّا بَرُّ

غالٍ على المُهَجات حاليةٌ ... بجهاده الآثارُ والعُصْرُ

مُتفَرِّدٌ بخلائقٍ غُرَرٍ ... بجمالها يتفاخر الفخرُ

في كل صالحة له خبرٌ ... ولكل محمدة له صُوْرُ

صافٍ كماء المزن ظاهُره ... كضميره وكسرِّه الجهر

عَلَمٌ على الذُّرُوات رفَّ كما ... رف السنا وتلامح النُّوْر

العلمُ ملءُ جنانه دُفَقٌ ... والعقل خلف لسانه وَقْرُ

تتألق الفصحى على فمه ... زهوًا كما يتألق البدرُ

عالٍ على الأهواء مُتِّشِحٌ ... بحجىً له في لمحه غوْرُ

مصباحه الفرقان يتبعه ... أنى أشارت آيُهُ الزُّهْرُ

ينحو ويسلك ما تفهَّمه ... منه النبيُّ وصحبه الغُرُّ

ويقيم من مالوا به جنفًا ... حتى يثوب إلى الهدى الصُعْرُ

كم نزَّه الإسلام من بدعٍ ... قد باضها الشيطان والكفرُ

مقبوحةٍ شوهاءَ شاه بهًا ... وجه الهدى وتلوث الطهرُ

كان الحكيمَ الطَّبَّ بلْسَمُهُ ... رفق الحديث وفقههُ البحرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت