ثم قلت له: يا سيدي، هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك وما تريد.
قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلًا، ثم انبعث، وأقدم على القتال، وأما أنا فَخُيِّل إلي أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة.
قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته؛ حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير؛ عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة، وكان آخر النهار.
قال: وإذا أنا بالشيخ، وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما؛ تحريضًا على القتال، وتخويفًا للناس من الفرار.
فقلت: يا سيدي، لك البشارة بالنصر؛ فإنه قد فتح الله، ونصر، وهاهم التتار محصورون بهذا السفح، وفي غد _ إن شاء الله تعالى _ يؤخذون عن آخرهم.
قال: فحمد الله _ تعالى _ وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاءًا وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده.
هذا كلام الأمير الحاجب+ (1) .
وكما أنه ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة في ميادين الوغى؛ فقد ضرب أروعها في الشجاعة الأدبية، وذلك في إنكار المنكر، والرد على المخالفين بقوة علم وبيان، وسعة صدر وسلامة برهان، وقوة احتمال وصبر على معاناة الأهوال؛ فكان لذلك أبلغ الأثر في تجديد الدين، ونفي ما ألصق به من تحريف الغالين، وزيف المبطلين.
يقول الأستاذ محمد كرد علي × في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية: =وما سُمع لأحد علماء الدين في عصره صوت مثل صوته في إحقاق الحق، ونصرة سلطان الإسلام+ (2) .
(1) _ العقود الدرية ص 147_148.
(2) _ كنوز الأجداد ص 366.