فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 321

في هذا العصر انتشرت المكاسب انتشارًا واسعًا , وكثرت الأموال بشكل كبير جدًّا , ومع هذه الكثرة و الانتشار، وفي خِضَّم حياة متسارعة تتسم بحتمية التواصل بين الناس , يضطر الإنسان للتعامل مع ذوي الأموال بعقود المعاوضات أو بعقود التبرعات , وقد يثور لديه شك في مثل هذه المعاملات , إذ مرة يكون أصحاب الأموال أموالهم محرَّمة ومرَّة تكون أموالهم مختلطة , ومرة قد لا يدري ويرتاب في الشخص صاحب المال أو مصدره , الأمر الذي يحتم على المسلم النزيه أن يتساءل عن حكم هذه التعاملات.

ولكن قبل ذلك ينبغي علينا أن نعلم هل الحرام صفة تلحق المال أم تلحق ذمة مكتسبه؟ [1]

غني عن البيان أن الحرام ينقسم إلى قسمين: محرم لذاته وهذه الحرمة ثابتة في عينه وما هيته كالخمروالخنزير ونحو ذلك , ومحرم لغيره وهذه الحرمة ثابتة في وصفه لا في عينه، لأن الدراهم هي الدراهم فلا يمكن أن يقال عن هذا الدرهم (لذاته) أنه حرام , بل يقال ذلك للوصف الذي لحق به، كونه -مثلا- اكتسب من طريق غير مشروع.

إذن ففي المحرم لذاته نجد أنه حرم ابتداء وحظر التعامل فيه مطلقا إلا ما دعت الضرورة لذلك , أما في المحرم لغيره نجد أنه لم يحرم ابتداء بل حرم لفعل الشخص الذي لم يبحه الشارع الحكيم. وبالتالي فهو مأثوم والإثم يتعلق بالذمة لا بالمال , فصارت الذمة مشغولة بهذه الصفة حتى تتوب إلى الله [2] .

وإذا كان ذلك كذلك فهل هذا الحرام الذي هو وصف للذمة المشغولة به , هل ينتقل إلى ذمة شخص آخر يتعامل مع هذا الشخص الذي شغلت ذمته بالحرام؟.

إن العدل الإلهي يقتضي أنه لا تزر وازرة وزر أخرى , وأن ليس للإنسان إلاما سعى ,وبالتالي فالإثم يلحق آخذ المال الحرام لا من يتعامل معه , إلا إذا كان لهذا الأخير دور في هذا الفعل المسبب للحرام , فمن شرب الخمر يثبت الإثم في ذمته , ومن أعانه على ذلك فيأثم أيضا لكن الأول وقع في الإثم بسبب شربه، وأما الثاني فقد وقع في الإثم بسب إعانته [3] ويصير بهذا التصرفِ الحرامُ يتعدى لذمتين والقاعدة الفقهية تقول: (( الحرمة

(1) الباز، أحكام المال الحرام، مرجع سابق , ص 228

(2) الباز، أحكام المال الحرام، المرجع السابق , ص 229 - 232

(3) الباز، أحكام المال الحرام، المرجع السابق , 232 - 233

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت