فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 321

كان هناك مال مختلط فالأولى الترك، لكن على سبيل الكراهة لا على سبيل التحريم ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلم أن يستبرئ لدينه وعرضه فقال: «الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن وبينهما مشبَّهات لايعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه ... » [1] وهذا هو الأليق بالمسلم الحريص على دينه.

والذي يترجَّح من كل هذا الأقوال السابقة هو القول الأخير لسهولته ويسر تطبيقه في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأموال المشتبهة لاسيما (( إذا طبَق الزمان وأهله ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا يشترط الضرورة ) ) [2] وإذا استطاع من يتعامل مع هؤلاء الأشخاص حين دعوته لطعام ونحوه أن لا يأخذ شيئا لنفسه بل يحاول إيصاله لمن يستحقه من الفقراء فهذا هو عين الفقه وقد يتحرَّج المسلم أحيانًا من معارفه أن يرد دعوتهم أو يرفض هديتهم كما هو الحال بالنسبة للولد الذي يمتنع من مؤاكلة والده أو تناول طعامه مما يؤدي إلى القطيعة أو العقوق , الأمر الذي يوقعه في إحراج كبير , ففي هذه الحال، الأولى مخالطتهم وعدم أذيتهم لما سبق من قول عبد الله ابن مسعود ولأن (( تطييب قلب المسلم وصيانته عن الإيذاء أهم من الورع ) ) [3] , وقد حدث أن دعا أحد السلاطين المغاربة بعض فقهاء زمانه إلى وليمة طعام , فبعضهم قال إني صائم وبعضهم أكل وقلل ومنهم من أكل الغلات فقط ومنهم أكل كل الطعام ومنهم من قال إني صائم وأخذ طعام الأمير على وجه البركة , فلما سئلوا بعد ذلك , أجاب الأول بأن هذا الطعام طعام شبهة وقد تسترت منه بالصوم , وقال الثاني إنه مال مجهول فأنا آكل منه مقدار ما أتصدق لأن المباشر كالغاصب , وقال الثالث آخذ برأي من يرى أن الغلات للغاصب وأن الخراج بالضمان , وقال الرابع هذا طعام مستهلك ترتبت القيمة في الذمة فيجوز لي تناوله، وقال الخامس هذا طعام مستحق أخذته لأهله

(1) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث 52، (1/ 158)

(2) الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، غياث الأمم في إثبات الظلم، تحقيق مصطفى حلمي وفؤاد عبد المنعم، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، 1979، (د ت) ... ، ص 344 - 345

(3) عليش، فتح العلي المالك , مرجع سابق ,ص 188

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت