معرفة صاحبها، ولا القدرة على إيصالها إليه، فهذا مثل إتلافها؛ فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضا، بل هو أشد منه من وجهين:
أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به.
الثانى: أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا، إذالم ينفقها أهل العدل والحق، فيكون حبسها إعانة للظلمة، وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة، فيكون قد منعها أهل الحق، وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا؛ فإن من وضع إنسانًا بمسبعة فقد قتله، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولى عليها من الظلمة فقد أعطاهموها. فإذا كان إتلافها حرامًا، وحبسها أشد من إتلافها، تعين إنفاقها، وليس لها مصرف ... معين، فتصرف في جميع جهات البر والقرب التى يتقرب بها إلى اللّه؛ لأن اللّه خلق الخلق لعبادته، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فتصرف في سبيل اللّه. واللّه أعلم. )) [1] .
و هذا الرأي هو رأي جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. [2]
وقد عضَّدوا رأيهم هذا بمجموعة من الأدلة منها:
أ- إِنَّ النَّبيَ - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على قبر يحفر فأوصى الحافر «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا» فَأَرْسَلْتُ المَرأَة قالت: يَارسُولَ اللّه، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدْ اشْتَرَى شَاةً أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يُوجَدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى» [3] .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أن هذا المال المطبوخ مال حرام فلم يأمرها بإهداره بالحرق مثلا بل استبقى ماهيته وحضَّ على الانتفاع به بإطعامه الأسرى.
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، (28/ 592) وما بعدها
(2) ابن عابدين، حاشية رد المحتار، مرجع سابق، (6/ 443) - ابن رشد، فتاوى بن رشد، ص 632 - ابن عبد السلام، القواعد الكبرى، مرجع سابق، (3/ 366)
(3) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات، رقم الحديث 3316 - عون المعبود (9/ 180)