فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 321

الكثير من الناس بمعاملات مالية محرمة، فإنه قد يصحو أحدهم ضميره في لحظة من اللحظات ويريد التوبة ولكنه قد لا يستطيع أن يتخلص من تلك الأموال كلها، وقد تعلق بها قلبه سنوات طويلة، وصارت له بها وجاهة وسمعة كبيرة .. إذن ما العمل؟ هل يأخذ من هذا المال وهو فقير محتاج؟ لا سيما إذا لم يكن له عمل آخر يتكسب منه؟.

ارتأينا أن نتلمس لأمثال هؤلاء حلاًّ عمليا فيه شيء من التيسير لعلَّ في ذلك ما يدفعهم نحو التوبة النصوح، وفي سبيل هذه التوبة سوف نجد عدة احتمالات نعرضها كالتالي:

1 -الاحتمال الأول

إذا استطاع أن يميّز المال المأخوذ من حرام فإنه يجب عليه أن يخرجه عن ملكه بصرفه للفقراء والمساكين أو في باب المصالح العامة -كما سبق الذكر -، وقد سئل ابن تيمية عن شخص اختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: (( يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته، تصدق به عنه ) ) [1] .

وعليه أن يعلم أن المقصود هنا هو مالية المال لا عينه، فقد يختلط المال بعضه ببعض ويصبح لا يميز بين عين المال المأخوذ وما اختلط، فهنا يكفيه أن يخرج قدر ما أخذه من المال الحرام ولا حرج عليه في ذلك، ولا ينظر بعد ذلك إلى ما ذهب إليه بعض الغلاة والمتشددة من أن (( المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب، لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه ولو تلف لقام المثل مقامه، والاختلاط إتلاف لتميزه، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام الذاهب، وهذا بيٌن حسا بيٌن معنى، والله أعلم ) ) [2] .

2 -الاحتمال الثاني:

وفي هذا الاحتمال لا يمكنه التعرف على وجه اليقين بحجم المال الحرام كمن ورث مالا ولم يدر الحرام من الحلال أو كان يمارس نشاطا مشروعا، ولكنه يتعامل أيضا بالحرام

(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، (29/ 169)

(2) ابن العربي، أحكام القرآن، مرجع سابق، (1/ 324 - 325)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت