فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 321

كالاقتراض بالربا، وهنا عليه أن يتحرى قدر الإمكان من واقع حساباته حجم الحرام بأن يأخذ بغلبة الظن أو الاجتهاد في إخراج قدره [1] ، وإن لم يستطع التمييز بينهما تحرى قدر ماله الحلال الذي له فهذا يمسكه، والباقي يخرج منه.

3 -الاحتمال الثالث:

قد يستفيد الشخص مالا غير مشروع من القمار أو البغاء أو المخدرات أو نحو ذلك وتمرُّ عليه سنوات طويلة وتصير له شركات وعمارات وسيارات وما إلى ذلك، ثم أراد هذا الشخص أن يتوب عن مقارفة جريمته تلك وليس له مال آخر غير هذا المال أو ليس له عمل آخر يستطيع أن يتكسب منه ويستغني به عن الحرام، فهل يأخذ من هذا المال الحرام إذا تاب أم لا؟ أم أنه يخرج منه ويتركه كله؟.

اختار بعض الفقهاء هذا الرأي الأخير ورأوا أن التائب من المال الحرام لا يبقي إلا مقدار الضرورة ولا يزيد عليها لأن المظالم قد أحاطت بذمته، وبالتالي (( فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس، وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه ) ) [2] ، إذن فبحسب هذا الرأي فإنه لا يبقي لنفسه إلا مقدار الضرورة الشرعية لقُوتِه [3] .

ولا شكَّ أن هذا الرأي فيه من الشدَّة والتعسير ما لا يخفى، إذ من يرضى في زماننا هذا أن يترك ثروات طائلة طالما تنعم بها، ويقنع بخرقة بالية أو كسرة يابسة، إنه لن يتوب أبدًا وهو يسمع هذا الرأي، حتى إني سمعت قصة تناقلها الناس في بلدتنا ومفادها أن رجلا كانت أمواله من الحرام وأراد يومًا أن يتوب فاستفتى بعض الشيوخ في ذلك الزمن فأفتاه بهذا الرأي السَّالف ذكره من أنَّه لا بدَّ عليه أن يخرج من هذا المال كلِّه كما ولدته أمه،

(1) النووي، المجموع، مرجع سابق، (9/ 428)

(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، (4/ 409)

(3) الصادق عبد الرحمن الغرياني، فتاوى المعاملات الشائعة، مرجع سابق، ص 68

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت