فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 321

فشقَّ على الرجل هذا الرأي فأبى أن يتوب وبقي على حرامه، بل ازداد واتسعت رقعته أكثر من ذي قبل .. !

لذلك يقتضي الأمر سلوك مسلك التيسير كما سلكه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يأتيه المشرك مسلما فيبقي له ماله لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، فأولى أن يكون ذلك في المؤمن الذي أقبل تائبًا.

ولله درُّ شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كتب كلاما نفيسًا في هذا الباب قال: (( من نام عن صلاة( ... ) فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة لا يصلي ولا يزكي وقد لا يصوم أيضا ولا يبالي من أين كسب المال أمن حلال أم من حرام ولا يضبط حدود النكاح والطلاق وغير ذلك فهو في جاهلية إلا أنه منتسب إلى الإسلام، فإذا هداه الله وتاب عليه فإن أُوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات وأُمر برد جميع ما اكتسبه من الأموال، والخروج عما يحبه من الأبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة في حقه عذابًا، وكان الكفر حينئذ أحبَّ إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه؛ فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته وهو مسلم عذاب، وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافرًا ليسلم فيُغفر له ما قد سلف؛ لأن التوبة عنده متعذرة عليه أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة، ثم هذا منفِّر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة، وهو شبيه بالمؤيِّس للناس من رحمة الله ووضع الآصار ثقيلة والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به قوامه بعد اليأس منه، فينبغي لهذا المقام أن يحرر فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات لكون الكافر كان معذورًا بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف، وإنما غفر له لأن الإسلام توبة، والتوبة تجب ما قبلها والتوبة توبة من ترْك تصديق وإقرار وترْك عمل وفعل، فيشبه -والله أعلم- أن يُجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم )) [1] .

(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، (22/ 21 - 22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت