ولذلك ذكر بعض العلماء أن هذا التائب يأخذ من هذا المال مقدار حاجته لا مقدار الضرورة لا سيَّما (( إذا عمَّ الحرام بحيث لا يوجد حلال فلا يجب على الناس الصبر إلى تحقق الضرورة لما يؤدي إليه الصبر من الضرر العام ) ) [1] .
وإن (( الحرام إذا طبق الزمان وأهله ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا يشترط الضرورة ) ) [2] .
وإذا كان هذا الكلام في حال ما إذا أراد الإنسان أن يتعامل ببيعٍ أو شراءٍ فوجد أن الحرام قد غلب الزمان وأهله، إذا كان ذلك كذلك، فإن هذا الكلام صالح أيضا لحال الشخص نفسه الذي طبَق الحرام حياته ولم يجد سبيلا آخر من الحلال الطيب، فإنه في هذه الحالة يمسك قدر الحاجة.
وقد أفتى بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث بيَّن أن البغيَّ والخمَّار إذا تابوا وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم [3] ، ويأخذ منه قدر حاجته بما يكفيه هو وعياله (( لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يُتصدَّق عليه، وله هو أن يأخذ قدر حاجته لأنه أيضا فقير ) ) [4] .
فلعلَّه - خاصَّةً في زماننا - إن لم يفعل هذا فإنه يقع في حرج عظيم ولا ريبَ أن الشريعة جاءت لترفع الحرج والإصر مهما كان، كما قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: من الآية 78] .
فإذا كان لهذا التائب (( أهل وعيال فليمسك لئلا يحوجهم له ولعله لا يصبر فيوقعه فيما هو أشد ) ) [5] .
وعلى أساس هذا الرأي الحكيم فإن التائب من المال الحرام الذي جُهل مالكه فإنه يتوسل الذرائع التالية لبلوغ غاية التوبة النصوح:
(1) ابن عبد السلام، القواعد الكبرى، مرجع سابق، (2/ 80)
(2) الجويني، غياث الأمم في إثبات الظلم، مرجع سابق، ص 344 - 345
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، (29/ 170)
(4) النووي، المجموع، مرجع سابق، (9/ 448 - 449)
(5) الونشريسي، المعيار المعرب، مرجع سابق، (9/ 552)