حيث رأينا كيف تمَّ تجريم ظاهرة غسيل الأموال في القانون الجزائري وذلك بالنظر إلى عائداتها المتأتّية من طرق غير مشروعة كالمخدرات والبغاء والإرهاب ونحوها، الأمر الذي يجعل منها ضررًا يهدد المصلحة المحمية قانونا، مما يصمها بوصف الجريمة، إلا أن هذا التوصيف لا يكفي لنعتها بالسلوك الإجرامي للوهلة الأولى، فلصعوبة الظاهرة وتعقيداتها ووجود أطراف عدة مكونة لها، يعسر إيجاد وصف مناسب لتكييفها، غير أن المحاولات القانونية لم تتوانَ عن تكييف هذه الظاهرة في تطويع الأوصاف الجنائية التقليدية لاستيعابها ولكنها فشلت في قصورها لهذا التكييف فكان لزاما أن يتدخل التشريع بنصًّ خاصًّ يواجه هذه الظاهرة تجريمًا وعقابًا، وهو ما استقر عليه المشرع الجزائري من خلال قانون 05 - 01 وقانون العقوبات وعدَّ ظاهرة غسيل الأموال جريمة مستقلة بحد ذاتها، لها كيانها القانوني الخاص بها المتمثل في الركن المادي والركن المعنوي وكذا محل هذه الظاهرة.
ثم رأينا بعد هذا كيف انتهت الشريعة الإسلامية إلى تكييف هذه الظاهرة من حيث إنها جريمة تعدي على الأموال وبالتالي فقد حرمتها من أول وهلة باعتبارها لا تعدو كونها نوعا من أنواع المكاسب الخبيثة المحرمة , بل وسدَّت كافة منابع الحصول على المال الحرام، وذلك بتحريم كل الطرق المؤدية إليه كتحريم المخدرات والسرقة والدعارة وغيرها , وجرمت أيضا مختلف صور التعامل في المال الحرام أخذًا وعطاءً , تصرفًا وانتفاعًا.
وتطرقنا إلى الحديث عن تحريم الشريعة لحيازة المال الحرام مهما كان ومن أي كان، ومن هذا المنطلق
تحدثنا عن الشخص الذي يتعامل بجريمة غسيل الأموال ثم يسلم وفي يده تلك الأموال المغسولة فهل يقرّه الإسلام على ما في يده قياسًا على الكافر إذا أسلم وبيده أموال من الحرام أم لا يقرُّه على ما في يده؟ وترجح لنا أن هذه الأموال لا يصح تملكها من صاحبها بعد إسلامه رغم أنه اكتسبها قبل إسلامه , بل تعامل معاملة التوبة والتحلل من المال الحرام وذكرنا لذلك مجموعة من الأدلة.
وهكذا رأينا كيف بلغ من رعاية الإسلام للأموال واحترامه لها أن حرَّم حتى من مجرد التصرف في الأموال الحرام - ومنها غسيل الأموال - بأي نوع من أنواع التصرف سواء بالاستثمارات المختلفة أو بالتعامل فيها أو مع أصحابها.
وكيفت الشريعة الإسلامية ظاهرة غسيل الأموال على أنها جريمة مستقلة مبنية على أساس الحيل غير الشرعية من حيث إن غاسل الأموال يتذرَّع بالوسائل المشروعة كالبيوع