لقد ورث النحاة المتأخرون، ومنهم ابن عصفور عن المتقدمين ثروة نحوية ضخمة، ومدروسة دراسة مُستفاضا فيها؛ حتى لم يعد لهم كبير مجال لأنّ ينفذوا إلى آراء جديدة كثيرة، تتسم بطابع لغوي أصيل، وقد عكفوا على هذه الثروة النحوية يدرسونها، ويأخذون من آراء المتقدمين طائفة، ثم يوجهونها توجيها يتفق وثقافة كل منهم، ولا تخلو جهودهم من قدحات فكر، تتسم بالألمعية والذكاء.
وسنقصر الحديث في هذا الفصل على الموضوعات التالية:
ـ تصريحه بميله النحوي.
ـ خصائص مذهب ابن عصفور النحوي.
لقد وضع ابن عصفور ثقله إلى جانب البصريين، وتابعهم في معظم مسائل النحو، وسايرهم في المنهج، والقياس، وإعمال المنطق، ولجأ إلى التعليل والتأويل في تأييد وإسناد المسائل التي يميل إليها، ولكنّ الذي يجب أنْ نعترف به له، أنه لم يكن متابعا من غير وعي، بل إنه كان يلتمس أقوال البصريين، أو غيرهم، ثم يكون له فيها رأي واختيار، فقد كان له من هذه العدة الجدلية البارعة، التي اوتيها، بحكم اتصاله المباشر بكتب النحو والدراسات النحوية، ما أمده بقدرة فائقة على التمحيص، والتوغل في الجدل والمماحكة، وعرض الآراء، والإسهاب في التأويلات، وتحليل كل حالة من الإعراب وعوامله.
إنّ اسم ابن عصفور يتردد كثيرا في كتب المتأخرين، وبخاصة كتابات أبي حيان ... (ت:745 هـ) ، الذي كان شديد الاهتمام بمؤلفات ابن عصفور، كثير العناية بها، وفي كتاب: ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب، لأبي حيان لا تكاد تخلو صفحة من ذكر ابن عصفور، وكذلك الأمر مع مصنفات ابن هشام (ت:761 هـ) ، كالمغني، ومصنفات الأزهري (ت:905 هـ) ، ومنها شرح التصريح على التوضيح، ومصنفات السيوطي (ت:911 هـ) ، كالأشباه والنظائر، وهمع الهوامع، بل حتى معاصره ابن مالك (ت:672 هـ) ، يورد آراءه في جملة مواضع من كتابه: شرح التسهيل.
ونستطيع أنْ نقسم آراء ابن عصفور النحوية على قسمين:
ـ الاختيارات.
ـ الآراء والمسائل الخاصة.