وأمَّا ابن جني، فهو على مذهب أستاذه، وإنْ كان إلى البصريين أميل، وهو الآخر يذكر في بعض المواطن البغداديين، ويعني بهم الكوفيين [1] ، والناظر إلى إجمال موقفه، يراه يسلك سبيل الاتجاه البغدادي، استمع إليه يقول [2] :
(للإنسان أنْ يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس، ما لم يلو [3] بنص، أو ينتهك حرمة شرع) ،
وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه الاتجاه البغدادي، ومن يطلع على كلام ابن جني في (باب القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة) [4] ، يُدرك أنه بغدادي، يميل إلى البصريين أكثر.
ودفعا للتوهم نقول: إنّ الاتجاه البغدادي قد ضمّ جيلين من النحاة، جيل غلبت عليه النزعة الكوفية، والجيل الثاني غلبت عليه النزعة البصرية، ويمثل ابن كيسان (ت: ما بين 299 ـ 320 هـ) الجيل الأول خير تمثيل، كما يتمثل الجيل الثاني في أبي علي الفارسي، وأبي الفتح ابن جني.
أمَّا عن حقيقة موقف ابن عصفور من علماء مصره، فلم يذكر في مصنفه الكبير إلاّ الزبيدي (ت: 379 هـ) ، وربما كانت العلة في ذلك أنّ ابن عصفور لم يتخط القرن الرابع الهجري في أخذه عن العلماء، فربما أنه كان لا يريد أنْ يتجاوز فحول المتقدمين من النحاة، فليس غريبا، والحال هذه، أنْ يخلو كتابه من ذكر الأندلسيين، ما دام الاهتمام بعلم الصرف لم يعرف عندهم إلاّ عند قدوم القالي إليهم، ومعروف أنّ وصول القالي إلى الأندلس، كان في القرن الذي عاش فيه الزبيدي.
الصرف والتصريف عند المتأخرين مترادفان [5] ، والذي يطلع على مادة (صرف) في معاجمنا العربية يجد أنها تجيء بمعان متباينة، وهذه المعاني تكشف عن معنى الصرف في اللغة، وقد رتبناها وفق حروف الهجاء:
ـ إجراء الكلمة بالتنوين [6] .
(1) أنظر على سبيل المثال: الخصائص 1/ 18، 166، 199.
(2) الخصائص 1/ 189.
(3) يقال: ألوى بالكلام، أي خالف به عن جهته، وانحرف عن قصده.
(4) الخصائص 1/ 189.
(5) القنوجي، أبجد العلوم 2/ 347.
(6) الخليل بن أحمد، معجم العين 7/ 109، والصاغاني، العباب الزاخر واللباب الفاخر ف/345،ولسان العرب 9/ 189