وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس فاسد، لأنّ الهمزة لو لم تكن حرفا، لكان أخذ وأكل وأمثالهما على حرفين خاصة، لأنّ الهمزة ليست عنده حرفا، وذلك باطل، لأنّ أقلّ أصول الكلمة ثلاثة أحرف [1] .
هذا هو موقف ابن عصفور من أعلام المذهب البصري، وهو موقف يتسم بالنقد الصريح لهم ـ باستثناء سيبويه ـ إلاّ أنّ مخالفة ابن عصفور لأعلام هذا المذهب لا تُخرجه عن بصريته، كما لم تُخرج مخالفات الأخفش والمبرد لسيبويه والبصريين من حدود بصريتهما.
يختلف موقف ابن عصفور من المذهب الكوفي عن موقفه من المذهب البصري، فقد تابع في كثير من المواقف والمواضيع مذهب أهل البصرة، على حين يغلب على موقفه من أهل الكوفة طابع الانتقاض والنقد، والدليل على هذا ما قاله ابن عصفور في باب حذف الألف، فالألف عنده أبدا ساكنة، ولا يخلو أنْ تجتمع مع ساكن غيرها، أو لا تجتمع، فإنْ اجتمعت مع ساكن حُذِفت، نحو (حبلى القوم) ، إلاّ أنْ يكون الساكن ألف التثنية، فإنها تُقلب ياء ولا تُحذف، فتقول في تثنية حُبلى: حبليان، ولا يجوز أنْ تقول: حُبلان، لئلا يُتوهم أنها تثنية حُبْل؛ خلافا لأهل الكوفة، فإنهم يُجيزون حذفها، فيما زاد على أربعة أحرف، نحو جُمادى، فيقولون في تثنيته: جُمادان، والصحيح أنه لا يجوز إلاّ جُماديان، وبه ورد السماع [2] .
ويُعزز هذا الموقف لابن عصفور من المذهب الكوفي ما رأيناه ماثلا في مسألة الميزان الصرفي، التي سبق الحديث عنها.
وقد زاد الكوفيون على أبنية الرباعي المجرد بناءً سابعا، هو فُعْلَل، ولكنّ ابن عصفور لا يُقرّ إلاّ الأبنية الستة، التي أقرها البصريون، ويدفع البناء السابع الذي زاده الكوفيون؛ تبعا للأخفش [3] ، فيقول:
(أمَّا جُخْدَب وبُرْقَع وجُؤْذَر فلا حجة فيه، لأنه يُقال: جُخْدُب وبُرْقُع وجُؤْذُر بالضم، فيمكن أنْ يكون الفتح تخفيفا، فإنما يكون ثبت فًعْلًل بأن يوجد، لا يجوز معه فُعْلُل بالضم، فإنْ لم يوجد الفتح إلاّ مع الضم، دليل على أنه ليس ببناء أصلي، وأيضا فإنّ جؤذَر أعجمي، فلا حُجة فيه) [4] .
(1) الممتع في التصريف، ص 663 ـ 664.
(2) الممتع في التصريف، ص 609.
(3) انظر: شرح الشافية 1/ 47 ــ 48، ومزهر السيوطي 2/ 28.
(4) الممتع في التصريف، ص 67.