فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 369

لمّا كان من فطرة الإنسان أنْ يسأل عن سبب لكل ما تقع عليه عينه من مظاهر الحياة، رأيناه ـ وبحسب تطور إدراكه ـ يحلل ما يبدو في اللغة التي يستعملها أداة للتواصل؛ محاولا أنْ ينفذ إلى علة لكل صورة مميزة من صور التعبير، فلا غرو أنْ ينسب التعليل إلى علماء العربية الأوائل.

وعلل النحو ليست ثابتة واجبة، وإنما هي علل تختلف باختلاف واضعها، وتفسيره للموضع الذي يُعلله، فقد يختلف النحاة فيما بينهم في تفسير السبب الذي دفع إلى هذا النوع من التعبير، أو إلى حكم معيّن من الأحكام، وعلى ذلك تختلف العلة التي يضعها كل منهم، ونتيجة لهذا الاختلاف تتعدد الأحكام، وتتشعب الآراء.

إنّ العرب لم تعلل كل ما صدر عنها، ويرى الخليل بن أحمد (ت:170 هـ) أنّ العلة كانت في عقول العرب، وإنْ لم يُصرِّحوا بها [1] ، فقد نطقت العرب باللغة على سجيتها، وعرفت مواقع كلامها، وقامت العلة في عقولها، وإنْ لم يُنقل ذلك عنها [2] .

لقد كانت العلة في بداية أمرها تمثل مرحلة السهولة والوضوح، وعدم التكلف؛ لأنها كانت وليدة قريحة القائل بها، بعيدة عن الفلسفة، قريبة من روح اللغة، وحسها المرهف، الذي ينفر من القبح والثقل [3] ، وكان القائلون بها ينظرون إليها على أنها قد وُضعت لمعلولها، دون أنْ يعرف واضعها ما أراده العرب من علة لذلك المعلول، فإنْ أصاب فبها ونعمت، وإلاّ فهي إحدى علل ذلك المعلول [4] .

وعندما جاء سيبويه أكثر من التعليلات، التي نسب أكثرها إلى أستاذه الخليل، وأخذ النحاة من بعده بمبدأ العليّة، فكل حكم يُعلل، وكل ظاهرة نحوية، كلية أوجزئية، لا بدّ لها من علة أوجدتها، وبذلك فُتح باب التعليل على مصراعيه، فأخذ كل واحد من النحاة يستنبط ما يستطيع من غرائب ونوادر، لم يقفوا بها عند أحكام الإعراب الظاهر، واستفحل أمر هذه الظاهرة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وقد ساعد على ذلك امتزاج النحو بالمنطق، مما

(1) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 57.

(2) الإيضاح في علل النحو، ص 65 ــ 66.

(3) الإيضاح في علل النحو، ص 65 ــ 66، والاقتراح، ص 57

(4) الإيضاح في علل النحو، ص 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت