أدى إلى اعتبار العلة رديفا للحكم النحوي، لا تفارقه، ولا ينبغي لها في اعتقاد نحاة ذلك العصر أنْ تفارقه.
ويُعتبر محمد بن المستنير، المعروف بقطرب (ت: 206 هـ) تلميذ سيبويه من أوائل الذين أفردوا العلة بالبحث [1] ، وجاء بعده أبو عثمان المازني [2] (ت:248 هـ) ، واستمر البحث والتأليف في العلة؛ حتى تميز بها بعض النحاة، فما أنْ انتهى القرن الثالث الهجري؛ حتى استقرت علل النحو، واتسع البحث فيها، وأصبحت مما يفخر النحاة بمعرفته، والاهتداء إليه.
وتسيطر النزعة الكلامية على الفكر الإسلامي مع بداية القرن الرابع الهجري، ويتأثر النحو بهذه النزعة، لأنه يعتمد على القياس والتعليل اعتمادا تاما؛ حتى قال أبو علي الفارسي (ت:377 هـ) : لئن أُخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية، أحب إليّ من أنْ أُخطئ في مسألة واحدة قياسية [3] .
وتابعه تلميذه ابن جني (ت:392 هـ) ، الذي لم يُفرد العلة بالبحث، إلاّ أنه تكلم عليها كثيرا في كتاب الخصائص، وعقد لها فصولا متعددة، فمما قاله: إذا بطل أنْ يكون النحو رواية ونقلا، وجب أنْ يكون قياسا وعقلا [4] .
وقد أوردت كتب التراجم عددا من المصنفات، التي صُنِّفت في العلة، خلال القرن الرابع الهجري، وما أنْ نصل إلى أبي البركات الأنباري (ت:577 هـ) ؛ حتى نراه يُعنى بالعلل، ويشرحها بأسلوب قائم على المناظرة والجدل.
وظهر في الأندلس إبان القرن السادس الهجري ابن مضاء القرطبي (ت:592 هـ) ، الذي أخذ ينفر من التعليل، ويرى أنه أفسد النحو العربي، وأدخله في متاهات، هو في غنى عنها، أو عن الكثير منها، فتوعرت مسالكه، ووهنت مبانيه، وانحطت عن رتبة الإقناع حججه [5] ، وانتهى في كتابه الرد على النحاة إلى وجوب إلغاء العلل الثواني والثوالث في النحو العربي؛ حتى نتخفف من جانب فيه، لا نكتسب منه إلاّ عسرا في التأويل والتقدير [6] ، أمَّا العلل الأوائل فإنّ فيها ـ فيما يرى ـ قدرا لا يمكن أنْ نلغيه [7] .
وجاء من بعده نحاة متعددون، ألفوا كتبا في النحو، وتحدثوا في كتبهم تلك عن أصول النحو، بين محبذ لها، ومنكر إياها؛ حتى أيام شيخنا ابن عصفور.
(1) الفهرست، ص 78.
(2) معجم الأدباء 7/ 122.
(3) بغية الوعاة 1/ 497.
(4) الخصائص 1/ 361.
(5) ابن مضاء، الرد على النحاة، ص 80.
(6) الرد على النحاة، ص 151.
(7) الرد على النحاة، ص 152.